المشاركات

عرض المشاركات من يوليو, 2026

التخلي فضيلة البدايات الجديدة

صورة
 التخلّي... فضيلة البدايات الجديدة حسن غريب أحمد  ليست الحياة سلسلة من الاكتسابات المتتالية، كما يتوهم كثيرون، بل هي أيضًا فنٌّ رفيع في التخلّي.  فما يثقل الروح ليس دائمًا ما ينقصها، وإنما ما تصرّ على حمله بعد أن انتهى دوره، وفقد معناه، واستحال إلى عبءٍ يستنزف طاقتها ويؤجل انطلاقتها. يُربَّى الإنسان، منذ طفولته، على قيمة الاحتفاظ؛ الاحتفاظ بالأشياء، وبالوعود، وبالعلاقات، وبالذكريات. حتى يصبح التخلّي في وعيه مرادفًا للخسارة أو الهزيمة أو الجحود.  غير أن التجربة الإنسانية تكشف، مع مرور الزمن، أن بعض أشكال التشبث ليست إلا خوفًا مقنعًا، وأن بعض صور الوفاء ليست سوى عجز عن مواجهة الحقيقة. كم من علاقة انتهت منذ سنوات، بينما ظل أصحابها يعيشون داخل أطلالها، يعيدون ترميم ما تهدّم، ويمنحون الحياة لما مات، ويستهلكون أعمارهم في انتظار معجزة لا تأتي.  وكم من إنسان بقي حبيس مكانٍ يضيق بأحلامه، أو وظيفة تلتهم موهبته، أو فكرة تجاوزها الزمن، لأنه لم يمتلك شجاعة المغادرة. التخلّي لا يعني إنكار الماضي، ولا محو الذكريات، ولا التنكر لمن مرّوا في حياتنا.  إنه، في جوهره، اعتراف بأ...

حين تسقط النتائج أوهامنا

صورة
 حين تُسقط النتائج أوهامنا حسن غريب أحمد  أعترف بأنني كنت واحدًا ممن اعتقدوا أن بعض الأسماء في الوسط الثقافي أصبحت أكبر من أن تخسر، وأن حضورها الطويل وعلاقاتها الواسعة كفيلان بترجيح كفتها كلما طُرح اسمها في أي جائزة كبرى. كان الشاعر والباحث القدير شعبان يوسف واحدًا من تلك الأسماء في ذهني.  لم يكن الأمر كراهية للرجل، ولا انتقاصًا من تاريخه، بل كان ظنًا بأن سنوات حضوره في المشهد الثقافي منحته من النفوذ ما يجعل خسارته أمرًا مستبعدًا. لكن النتيجة جاءت لتصفع هذا التصور. عدم حصوله على جائزة الدولة التقديرية لم يجعلني أشمت، بل جعلني أراجع نفسي. أدركت أن المشكلة لم تكن فيه، بل في الصورة التي رسمتها له دون دليل قاطع. فمن السهل أن نردد عبارات مثل "الشللية" و"النفوذ" و"المحسوبية"، لكن من الصعب أن نعترف عندما تهدم الوقائع هذه التصورات. وهذا لا يعني أن الجوائز الثقافية أصبحت فوق النقد، ولا أن آلياتها بلغت حد الكمال. فما زال باب الأسئلة مفتوحًا حول معايير الاختيار، وحول عدالة الفرص، وحول استحقاقات كثيرة يراها المثقفون غائبة عامًا بعد عام. لكن الاعتراض على منظومة الجوائز...

حين تتحول الجوائز إلى امتحان القامات الكبيرة

صورة
 حين تتحول الجوائز إلى امتحان للقامات الكبيرة حسن غريب أحمد  لا أعتقد أن هناك ما هو أكثر قسوة على المشهد الثقافي من أن نرى مبدعًا قضى عمره كله في خدمة الأدب، ثم يُعامل وكأنه لا يزال يبحث عن اعتراف بقيمته. المبدع الحقيقي لا يبدأ من الجائزة، ولا ينتهي عندها. سنوات الكتابة، والكتب التي صنعت الوعي، والأثر الذي بقي في ذاكرة القراء، كل ذلك أكبر من أي لجنة، وأبقى من أي تصويت. المؤلم ليس أن يفوز هذا أو يخسر ذاك، فذلك يحدث في كل أنحاء العالم. المؤلم أن تتحول الجوائز التقديرية إلى منافسة بين رموز تجاوزوا منذ سنوات فكرة المنافسة نفسها. كيف نضع أصحاب المشاريع الأدبية الكبرى في صف واحد، ثم نقول لبعضهم: "أنتم خارج الاختيار"؟ أي رسالة تحملها هذه النتيجة؟ القيمة الأدبية لا تُقاس بعدد الأصوات، ولا بعدد أعضاء اللجنة، ولا بتغير الأذواق من دورة إلى أخرى. القيمة تُبنى عبر عقود من الإبداع، والعمل الجاد، والتأثير الحقيقي في الثقافة. لهذا أرى أن بعض الأسماء لا ينبغي أن تدخل أصلًا في سباقات المفاضلة التقليدية. هناك مبدعون أصبحوا جزءًا من تاريخ الأدب، وتكريمهم ليس منحة، بل اعتراف متأخر بحقهم. وإذا عجز...

استغاثة إلى رئيس الجمهورية

صورة
 

الكلاب الضالة في مصر حين يصبح الخوف رفيق الطريق

صورة
  تحقيق صحفي الكلاب الضالة في مصر... حين يصبح الخوف رفيق الطريق بين اتساع الظاهرة ومطالب المواطنين... هل آن أوان المواجهة الشاملة؟ تحقيق: حسن غريب أحمد لم يعد الخوف من الكلاب الضالة مجرد هاجس يراود بعض المواطنين، بل تحول في مناطق عديدة إلى واقع يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية. فمع ساعات الفجر الأولى، أو في هدوء الليل، تخرج مجموعات من الكلاب لتحتل الأرصفة والميادين ومحيط المدارس والمستشفيات، في مشهد يتكرر من أقصى الدلتا إلى صعيد مصر، ومن المدن الكبرى إلى القرى والنجوع. لم تعد القضية تتعلق بحيوان يبحث عن الطعام، بل أصبحت تمس حق الإنسان في السير الآمن في الشارع، وحق الطفل في الذهاب إلى مدرسته دون خوف، وحق كبار السن في الحركة دون قلق من هجوم مفاجئ. ومع كل حادثة عقر تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي أو صفحات الصحف، يعود السؤال ذاته: لماذا تتفاقم الظاهرة؟ ولماذا يبدو الحل بعيد المنال رغم تكرار الشكاوى؟ شارع يعيش على القلق في كثير من الأحياء، أصبح السكان يعرفون أماكن تجمع الكلاب أكثر مما يعرفون أسماء الشوارع. هناك أطفال ينتظرون مرافقة أحد أفراد الأسرة في طريقهم إلى المدرسة، وعمال يغيرون م...

حين لا تكون المكتبة وحدها وطناً للمعرفة

صورة
 حين لا تكون المكتبة وحدها وطنًا للمعرفة حسن غريب أحمد  يُقال إن الكتب هي أوعية الحكمة، ومستودعات الخبرة الإنسانية، وهذا صحيح إلى حدٍّ بعيد.  فمن خلالها انتقلت إلينا علوم الأمم، وفلسفات الحضارات، وتجارب العظماء. لكن الحقيقة التي يغفلها كثيرون هي أن المعرفة أوسع من أن تُختزل في رفوف المكتبات، وأن الكتاب، على أهميته، ليس سوى طريق من طرق عديدة تؤدي إلى الحكمة. لقد عرف تاريخ الفكر فلاسفةً عشقوا الكتب حتى جعلوا منها رفاق أعمارهم، ورأوا في القراءة مفتاحًا لفهم الإنسان والكون.  وفي المقابل، ظهر مفكرون رأوا أن الحياة نفسها هي الكتاب الأكبر، وأن التجربة المباشرة، والتأمل العميق، والسفر، والحوار، ومخالطة الناس، تمنح الإنسان من المعرفة ما قد تعجز عنه آلاف الصفحات. الفيلسوف الحقيقي لا يقيس ثقافته بعدد الكتب التي اقتناها، بل بقدرته على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى موقف، والموقف إلى سلوك. فكم من مكتبة عامرة لا تخرج إلا حافظًا للنصوص، وكم من إنسان بسيط علّمته الحياة ما لم تعلمه الجامعات. إن القراءة التي لا تثمر تفكيرًا تصبح تكديسًا للمعلومات، كما أن التجربة التي لا يصاحبها تأم...

العريش ليست مكباً للنفايات فمن المسؤول؟

صورة
  العريش ليست مكبًا للنفايات... فمن المسؤول؟ حسن غريب أحمد  لم تعد أزمة القمامة في مدينة العريش مجرد مشكلة نظافة، بل أصبحت عنوانًا للفوضى والإهمال وغياب الرقابة. والأسوأ من ذلك أن هناك من حول أكوام القمامة إلى مصدر رزق، غير عابئ بما يسببه من أضرار صحية وبيئية تمس حياة آلاف المواطنين. مشهد التنبيش في أكياس القمامة أصبح يتكرر كل يوم. تُشق الأكياس، وتُنثر المخلفات في الشوارع، ويغادر المنقبون بعد أن يأخذوا ما يريدون من كراتين وبلاستيك وعبوات معدنية، تاركين خلفهم أكوامًا من القاذورات والروائح الكريهة والحشرات. ثم يأتي عامل النظافة ليبدأ عمله من الصفر، بينما يدفع المواطن الثمن. أما المشهد الذي لا يمكن السكوت عنه، فهو رعي الأغنام فوق أكوام القمامة، وكأنها مراعي طبيعية! أغنام تتغذى على مخلفات مجهولة المصدر، ثم تُباع في الأسواق على أنها صالحة للاستهلاك. أليس من حق المواطن أن يعرف ماذا تأكل هذه الحيوانات؟ وأين الرقابة البيطرية؟ وأين الأجهزة المختصة التي يفترض أن تحمي صحة الناس قبل وقوع الكارثة؟ هذه ليست قضية هامشية، بل قضية صحة عامة. فالقمامة المبعثرة ليست منظرًا مزعجًا فحسب، وإنما بيئة...

الندم ليس عدواً

صورة
 الندم ليس عدوًا.. بل رسالة تستحق أن نقرأها حسن غريب أحمد  في حياتنا جميعًا لحظات نتمنى لو أننا عدنا بالزمن دقيقة واحدة فقط، لنقول كلمة لم نقلها، أو نسكت عن كلمة قلناها، أو نتخذ قرارًا مختلفًا. تلك اللحظات تُولد شعورًا يُسمى الندم، وهو شعور يخشاه كثيرون، بينما الحقيقة أنه ليس دائمًا عدوًا، بل قد يكون من أكثر المشاعر قدرة على صناعة الإنسان. الندم الصحي لا يُحطم صاحبه، بل يوقظه. إنه الجرس الذي يدق داخل النفس ليقول: هنا أخطأت، وهنا يمكنك أن تكون أفضل. أما الإنسان الذي لا يندم أبدًا، فقد يفقد أهم وسيلة للمراجعة والتقويم، فيكرر أخطاءه دون أن يشعر. ليس المطلوب أن نغرق في جلد الذات، ولا أن نحمل الماضي فوق أكتافنا إلى الأبد، بل أن نحول الندم إلى درس، والخطأ إلى خبرة، والسقوط إلى بداية جديدة. فالحياة لا تكافئ من لم يخطئ، وإنما تكافئ من تعلّم من أخطائه. كم من علاقة أنقذها ندم صادق، وكم من إنسان غيّر مسار حياته لأن لحظة صدق مع نفسه جعلته يعترف بأنه كان على خطأ. الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، بل شجاعة أخلاقية، والاعتذار ليس انكسارًا، بل دليل على نبل النفس. لكن هناك نوعًا آخر من الندم، وهو الن...

لا تبكِ في الشارع فمن يبكي هذا الزمن

صورة
  لا تبكِ في الشارع... فمن يبكي هذا الزمن؟ حسن غريب أحمد  تختصر الكلمات القليلة التي كتبها الشاعر عبد الرحيم طايع مأساة الإنسان المعاصر، ذلك الإنسان الذي أصبح محاصرًا حتى في مشاعره.  فالبكاء، الذي كان يومًا لغة القلب حين يعجز اللسان، تحول في زمننا إلى تهمة؛ فإن بكيت في الشارع قيل إنك مجنون، وإن بكيت في البيت اتُّهمت بالضعف، وإن اخترت أن تبكي وحيدًا وجدت نفسك تواجه وجعًا آخر، هو قسوة الوحدة وتخلّي الأصدقاء. لقد أصبح المجتمع يطالب الإنسان بأن يكون صلبًا دائمًا، مبتسمًا دائمًا، قادرًا على إخفاء انكساراته مهما كانت قاسية. وكأن الحزن جريمة، والدمعة دليل هزيمة، والاعتراف بالألم نقص في الرجولة أو ضعف في الشخصية.  إنها ثقافة الأقنعة التي تدفع الناس إلى إخفاء جراحهم حتى لا يتحولوا إلى مادة للأحكام أو السخرية. والمؤلم حقًا ليس غياب من يواسي، بل وجود من يحاكم مشاعر الآخرين.  فبدل أن تمتد الأيدي للمساندة، تمتد الألسنة لإطلاق الأحكام.  وبدل أن يجد الإنسان صدرًا يحتضن ألمه، يجد عيونًا تراقبه وتفسر دموعه بما تشاء. أما أقسى ما في النص فهو الإشارة إلى تخلي الأصدقاء، فليس هن...

بين صرخة الإعلامي صلاح البلك ووجع المثقف

صورة
  بين صرخة صلاح البلك ووجع المثقف حسن غريب أحمد  كتب الإعلامي والكاتب القدير الأستاذ صلاح البلك عبارته الصادمة: «"القطة أكلت لسان كل مثقف أو صاحب رأي.. الخرس القهري أصاب الجميع. الحق أقول لكم.. لعنة الله عليكم... أمة ونخبة."» ليست هذه الكلمات مجرد انفعال عابر، بل صرخة تحمل قدرًا كبيرًا من الألم والإحباط تجاه واقعٍ يرى فيه أصحاب الفكر وقد تراجع حضورهم، أو آثر كثير منهم الصمت في لحظات كانت تنتظر منهم موقفًا وكلمة. فالمثقف ليس صاحب شهادة أو لقب، وإنما صاحب ضمير ورسالة. والكلمة التي لا تُقال في وقت الحاجة تفقد كثيرًا من قيمتها، لأن التاريخ لا يتذكر الذين شاهدوا الأحداث بصمت، بل يتذكر الذين امتلكوا شجاعة الموقف، حتى وإن اختلف الناس معهم. ومع ذلك، فإن الإنصاف يفرض علينا ألا نعمم الأحكام. فهناك من صمت خوفًا من بطش أو تضييق، وهناك من اختار السلامة على المواجهة، وهناك أيضًا من لا يزال يدفع ثمن كلمته كل يوم. لذلك، فإن الأزمة ليست في صمت الجميع، وإنما في اتساع مساحة الصمت حتى أصبحت الأصوات الحرة تبدو قليلة. إن الأمم لا تبنى بالمجاملة، ولا ينهض وعيها إذا غاب النقد المسؤول، أو أصبح الرأي ...

المواقف هي المعيار الحقيقي للناس

صورة
  المواقف هي المعيار الحقيقي للناس حسن غريب أحمد  في رحلة الحياة، نلتقي بالكثير من الوجوه، ونصافح عشرات الأيدي، ونمنح الثقة لمن نظن أنهم أهلٌ لها. لكن الزمن وحده هو الذي يكشف المعادن، ويضع كل إنسان في المكان الذي يستحقه داخل قلوبنا.  فالكلمات قد تُقال بسهولة، والوعود قد تُطلق بلا ثمن، أما المواقف فهي الحقيقة التي لا تتجمل، ولا تعرف التزييف. إن من يستهين بقدرك، أو يقلل من شأنك، أو لا يرى فيك إلا وسيلة لمصلحته، لا يستحق أن يبقى في دائرة اهتمامك. وليس في الابتعاد عنه قسوة، بل هو احترام للنفس، وحماية للكرامة، وإدراك أن الإنسان لا يُقاس بعدد من يعرفهم، وإنما بقيمة من يبقون معه حين يحتاج إليهم. وليس إسقاط بعض الأشخاص من حساباتنا نوعًا من الانتقام، بل هو تصحيح لمسار العلاقات، وإعادة ترتيب لأولويات الحياة. فليس كل من اقترب منا كان صادقًا، وليس كل من ابتعد عنا كان خسارة.  هناك أشخاص يغيبون فلا يترك غيابهم سوى فراغٍ سرعان ما يملؤه النسيان، وهناك آخرون يصبح وجودهم جزءًا من الطمأنينة، لأنهم كانوا سندًا في الشدائد، ورفقةً في الأزمات، وصدقًا حين كثرت الأقنعة. لقد علمتنا الحياة أن ...

كن سبباً في قضاء حوائج الناس

صورة
  كن سببًا في قضاء حوائج الناس حسن غريب أحمد  ليست قيمة الإنسان فيما يملك، ولا فيما يكتب عن نفسه، ولا فيما يجمعه من شهرة أو مال، وإنما فيما يتركه من أثر طيب في حياة الآخرين.  فالقلوب لا تحفظ أسماء العابرين، لكنها لا تنسى من مسح دمعة، أو فك كربة، أو أعان محتاجًا، أو فتح باب أمل لمن أوصدت الدنيا في وجهه أبوابها. إن قضاء حوائج الناس ليس مجرد عمل خيري عابر، بل هو ثقافة إنسانية راقية، تُعيد للمجتمع توازنه، وتُرسخ معاني الرحمة والتكافل.  فكم من كلمة صادقة أنقذت إنسانًا من اليأس، وكم من نصيحة مخلصة غيّرت مصير شاب، وكم من يد امتدت بالعون كانت سببًا في إنقاذ أسرة كاملة من الضياع. وفي زمنٍ أصبح كثير من الناس يتسابقون فيه إلى الشهرة، وإبراز الذات، والبحث عن الإعجابات والمتابعين، يبقى أجمل السباق هو أن تكون سببًا في إسعاد إنسان، أو تفريج همّ، أو قضاء حاجة.  فهذا الرصيد لا يُقاس بالأرقام، بل يُقاس بما يزرعه في القلوب من محبة، وما يدخره الله لصاحبه من أجر. وقد يظن البعض أن قضاء الحوائج يحتاج إلى ثروة كبيرة، والحقيقة أن أبواب الخير لا تُحصى.  فقد تكون الحاجة كلمة تشجيع، أ...

بين الاعلام الحقيقي وضجيج الظهور

صورة
  بين الإعلام الحقيقي وضجيج الظهور حسن غريب أحمد  في زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي منبرًا مفتوحًا للجميع، اختلطت الأدوار، وتداخلت المفاهيم، حتى بات بعض الناس يتحدثون في الإعلام وتحليل الأخبار ونقل الأحداث بثقةٍ تفوق ثقة المتخصصين، وهم لا يعرفون من الإعلام إلا اسمه، ولا يميزون بين الخبر والرأي، ولا بين المعلومة والشائعة. هناك من لا يعرف الفرق بين الألف من برج الجزيرة وكوز الذرة، ومع ذلك ينصب نفسه إعلاميًا ومحللًا وخبيرًا في كل شأن، ينقل الأخبار بلا تحقق، ويعيد تدوير الشائعات، ويضيف إليها من خياله، ثم يقدمها للناس على أنها حقائق ثابتة، غير مدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن الخبر أمانة، وأن تضليل الناس جريمة أخلاقية قبل أن يكون خطأً مهنيًا. والإعلام ليس هاتفًا محمولًا، ولا صفحة على «فيسبوك»، ولا عددًا من المتابعين، ولا بثًا مباشرًا من هنا أو هناك. الإعلام علمٌ له أصول، ورسالةٌ لها أخلاقيات، ومهنةٌ تقوم على الدقة، والتحقق من المصادر، واحترام عقل المتلقي، لا على السعي وراء الإثارة أو جمع الإعجابات. ولم تقف الظاهرة عند حدود نقل الأخبار وتحليلها، بل امتدت إلى الأفراح والمناسبات ال...

الانكسار التذويتي وواقعية الحلم

صورة
  الإنكسار التذويتي وواقعية الحلم قراءة في رواية ((عينان في الأفق الشرقي)) للأديب : حسن غريب   بقلم  عبير فوزي أحمد روائية ناقدة مصرية  ***************** عيون أبطال قصة ((عينان في الأفق الشرقي ))للكاتب حسن غريب أحمد الصادرة عن الهيئة العامة المصرية للكتاب سلسة كتابات جديدة يناير 2010م. عيون تائهة لاتبصر في اتجاه محدد ، إنهم يتطلعون ويبحثون عن عيون تطل من الأفق الشرقي عليهم ، أبطال من النساء والرجال ، هم يشخصون عيونهم غير تائهة ولا زائغة ...ذواتهم ثابتة قوية ..يعزفون نغمة واحدة يسمعون نغمة واحدة ، وتفاصيل حياتهم جميلة مستمدة من الأرض مثلما يستمدون وجودهم منها وكرامتهم منها فالمقاومة هدف لأن الوطن حياة. وماذا بعد أن انتهيت وانتهينا من الرواية القصيرة ..القضية الكبرى التي توحدنا وهو الوطن وفداؤه. صار الأبطال في الرواية تائهين حتى آلامهم وفقرهم لايجمعهم . وفي ( شبح سعد) أشعر بمنتهى الأحاسيس وملامسة الذات شبح في (( قهوة بنكهة امرأة)) إنها نكهة الحزن : " رحت أتلمس في وجوه الذين من حولي سبب حزن البحر ". حتى الأحلام البسيطة أغنية فيروز ، وكتاب تتوحد معه وعيون تشعرنا بأننا مح...

شعرية الاغتراب وتمثلات الخراب الحضاري

صورة
  شعرية الاغتراب وتمثلات الخراب الحضاري في قصيدة "غير قابلة للمواجهة" للشاعر عمارة   قراءة نقدية في ضوء النقد الثقافي والسيميائي حسن غريب أحمد  ناقد باحث  تُجسِّد قصيدة «غير قابلة للمواجهة» للشاعر القدير عمارة إبراهيم نموذجًا لقصيدة النثر العربية التي تجاوزت حدود التعبير الوجداني إلى مساءلة الواقع الحضاري والإنساني. فالنص لا يكتفي باستعراض تجربة ذاتية مأزومة، بل يعيد تشكيل العالم عبر منظومة من الرموز والصور التي تكشف عن انهيار منظومات القيم، واتساع الفجوة بين الإنسان وعالمه، حتى يصبح الاغتراب قدرًا وجوديًا لا حالة نفسية عابرة. أولًا: العنوان بوصفه عتبة سيميائية يرى الناقد  أن العنوان يمثل أول مفاتيح القراءة، لأنه يختزن البنية الدلالية للنص ويقود المتلقي إلى أفقه التأويلي.  ومن هذا المنطلق، يأتي عنوان «غير قابلة للمواجهة» بوصفه علامة سيميائية مفتوحة، لا تشير إلى شخص أو حدث بعينه، بل إلى واقع شامل تجاوز قدرة الإنسان على مقاومته. فالمواجهة هنا ليست مواجهة فردية، وإنما مواجهة مع منظومة كاملة من الانهيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وهو ما ...

حين تكون الثقافة في حاجة إلى رجال دولة

صورة
 حين تكون الثقافة في حاجة إلى رجال دولة حسن غريب أحمد  ليست أخطر أزمات الثقافة أن تقل الإمكانات، ولا أن تضيق الميزانيات، وإنما أن يغيب عنها من يؤمن بأنها قضية وطن، لا مجرد ملف إداري. فالمؤسسات الثقافية لا تُدار باللوائح وحدها، بل بالعقول التي تمتلك الرؤية، وبالضمائر التي تدرك أن بناء الإنسان هو الاستثمار الوحيد الذي لا يعرف الخسارة. لقد علمتنا التجارب أن المنصب لا يمنح صاحبه قيمة، وإنما يكشف عن قيمته.  فكم من مسؤول مرّ على موقعه دون أن يترك سوى اسمه في سجلات الأرشيف، وكم من قائد بقي حاضرًا في ذاكرة الناس لأن أثره سبق لقبه، ولأن احترامه للإنسان كان جزءًا من فلسفته في الإدارة. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن الكاتب محمد سلماوي لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه احتفاءً بشخص، وإنما بوصفه استدعاءً لتجربة يراها كثير من المثقفين جديرة بالتأمل.  فقد جمع، عبر سنوات طويلة، بين الإبداع والعمل العام، وبين حضور الكاتب وخبرة الإدارة، وهو ما جعل اسمه حاضرًا كلما دار النقاش حول أهمية أن تتصدر الكفاءة مشهد العمل الثقافي. إن الثقافة المصرية لا ينقصها المبدعون، فهي ولّادة عبر تاريخها، لكنها تحتاج...

34 مليون والعدل المؤجل ليس عدلاً

صورة
  34 مليون جنيه... والعدل المؤجل ليس عدلًا حسن غريب أحمد  انتهى الأمر. صُرفت أربعة وثلاثون مليون جنيه، وأُغلقت كشوف الصرف، لكن جراح أصحاب الحقوق لم تُغلق. فهناك عشرات من المعلمين، خاصة المحالين إلى المعاش، يقفون اليوم مذهولين أمام مشهد لا يستطيعون فهم منطقه؛ أحكامهم القضائية أقدم، وحقوقهم ثابتة، ومع ذلك لم تصل إليهم مستحقاتهم، بينما حصل عليها آخرون صدرت لهم الأحكام منذ عام أو عامين فقط وما زالوا على رأس العمل. وعندما ارتفعت أصوات المتضررين متسائلين: لماذا تجاوزتم أصحاب الأحكام الأقدم؟ ولماذا حُرم من أفنى عمره في خدمة التعليم؟ كانت الإجابة: "إن شاء الله في السنة المالية الجديدة." ولكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: وهل الحقوق تُؤجل بالوعود؟ وهل يتحمل أصحاب المعاشات عامًا جديدًا من الانتظار، وقد انتظر بعضهم سنوات طويلة حتى صدر لهم الحكم القضائي؟ إن القضية لم تعد قضية مبلغ مالي، بل قضية عدالة إدارية وثقة مفقودة. فالعدالة تقتضي أن تكون الأولوية للأسبق حكمًا، ولمن طال انتظاره، لا أن يصبح ترتيب الصرف محل تساؤلات واستغراب بين أصحاب الشأن. ومن المؤسف أن يخرج البعض ليغرق المشهد في س...

عندما تصاب البوصلة الأخلاقية بالعمى

صورة
  عندما تُصاب البوصلة الأخلاقية بالعمى حسن غريب أحمد   كلما اعتقدنا أن البشرية قد استنفدت ما لديها من غرائب، خرج علينا من يثبت أن الخيال إذا انفصل عن العقل، والحرية إذا انفصلت عن المسؤولية، يمكن أن يتحولا إلى معول يهدم أقدس ما تملكه المجتمعات: الأسرة. لم يعد بعض الناس يكتفون بمناقشة المشكلات، بل صاروا يقترحون إلغاء الأساس الذي تقوم عليه الحياة الاجتماعية.  فإذا تعثرت مؤسسة الزواج، قالوا: اهدموها.  وإذا ظهرت أزمة، اقترحوا القضاء على أصل الفكرة. وكأن من تعطلت سيارته قرر أن يحرق الطريق كله! أي منطق هذا الذي يريد أن يمحو الأبوة، ويذيب الأمومة، ويجعل الطفل مجهول الجذور، ثم يصف ذلك بأنه "تطور"؟!  إن التطور الحقيقي يزيد الإنسان إنسانية، أما هذا فلا يزيده إلا اغترابًا عن فطرته، وقطيعة مع أبسط معاني المسؤولية. لقد أصبح "الترند" عند بعض صناع المحتوى إلهًا صغيرًا يُعبد في معابد المنصات الرقمية.  كلما كانت الفكرة أشد غرابة، وأبعد عن العقل، وأكثر قدرة على إثارة الضجيج، ازدادت فرص انتشارها.  ولم يعد المهم أن تكون الفكرة صحيحة، بل أن تكون صادمة. وهكذا تحولت بعض المنص...

بين التنكيت والتبكيت

صورة
  بين التنكيت والتبكيت... حين يبتسم القلم ويحتج العقل حسن غريب أحمد   ليست اللغة مجرد وسيلة  للتواصل، وإنما هي أداة للتأثير، وبناء الوعي، وكشف الحقائق، وإعادة تشكيل الرؤى. ومن بين الأساليب البلاغية التي أبدعتها العربية، يبرز التنكيت والتبكيت بوصفهما وجهين مختلفين لفن الخطاب؛ أحدهما يوقظ الذهن بابتسامة ذكية، والآخر يهز القناعة بحجة دامغة. فالتنكيت ليس مرادفًا للسخرية الرخيصة أو إطلاق النكات العابرة، بل هو توظيف اللمحة الذكية والإشارة الموحية لإبراز معنى عميق في أقل عدد من الكلمات. إنه ذكاء لغوي يجعل المتلقي يشارك في إنتاج الدلالة، فيبتسم للعقل قبل أن يبتسم للعبارة. ولذلك كان كبار الأدباء والنقاد يوظفون التنكيت لإضفاء الحيوية على النص، وللتخفيف من جفاف الطرح، دون أن يفقدوا رصانة الفكرة. أما التبكيت فهو مقام آخر، يقوم على إلزام الخصم بالحجة والبرهان حتى تنقطع معاذيره، ويظهر ضعف منطقه أمام قوة الدليل. وليس التبكيت سبًّا ولا تشهيرًا، وإنما هو انتصار للحقيقة عبر المحاججة العلمية والمنطقية. وقد زخرت النصوص التراثية والقرآنية والنقدية بأمثلة راقية للتبكيت الذي يحترم العقل ولا يعت...

العقل في مواجهة الخوارزمية من يقود المستقبل؟

صورة
 العقل في مواجهة الخوارزمية... من يقود المستقبل؟ قراءة نقدية في أثر الذكاء الاصطناعي على الفكر والإبداع الإنساني حسن غريب أحمد  لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي، أو عن "شات جي بي تي"، ترفًا فكريًا أو انبهارًا بتقنية جديدة، بل أصبح سؤالًا حضاريًا يمس مستقبل الإنسان ذاته.  فكل ثورة تقنية كبرى لم تغيّر أدوات الحياة فقط، بل أعادت تشكيل طريقة التفكير والإنتاج والمعرفة.  واليوم نقف أمام ثورة ربما تكون الأوسع أثرًا منذ اختراع الطباعة والإنترنت. غير أن السؤال الأكثر أهمية ليس: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟  بل: ماذا سيحدث للإنسان إذا توقف عن استخدام عقله، واكتفى بما تنتجه الآلة؟ إن العقل الإنساني لا ينمو بالإجابات الجاهزة، وإنما ينمو بالأسئلة، وبالشك، وبالبحث، وبالتجربة، وبالأخطاء التي تصنع الخبرة.  وكلما اعتاد الإنسان أن يجد الحلول بضغطة زر، تراجعت حاجته إلى التأمل والتحليل والاستنباط، وهي المهارات التي صنعت الحضارات عبر التاريخ. لقد بدأت ملامح هذا التحول تظهر بالفعل؛ فهناك من لم يعد يقرأ كتابًا كاملًا، بل يكتفي بملخص سريع.  ومن لم يعد يكتب فكرة من ب...