المواقف هي المعيار الحقيقي للناس

 المواقف هي المعيار الحقيقي للناس


حسن غريب أحمد 



في رحلة الحياة، نلتقي بالكثير من الوجوه، ونصافح عشرات الأيدي، ونمنح الثقة لمن نظن أنهم أهلٌ لها. لكن الزمن وحده هو الذي يكشف المعادن، ويضع كل إنسان في المكان الذي يستحقه داخل قلوبنا. 

فالكلمات قد تُقال بسهولة، والوعود قد تُطلق بلا ثمن، أما المواقف فهي الحقيقة التي لا تتجمل، ولا تعرف التزييف.


إن من يستهين بقدرك، أو يقلل من شأنك، أو لا يرى فيك إلا وسيلة لمصلحته، لا يستحق أن يبقى في دائرة اهتمامك. وليس في الابتعاد عنه قسوة، بل هو احترام للنفس، وحماية للكرامة، وإدراك أن الإنسان لا يُقاس بعدد من يعرفهم، وإنما بقيمة من يبقون معه حين يحتاج إليهم.


وليس إسقاط بعض الأشخاص من حساباتنا نوعًا من الانتقام، بل هو تصحيح لمسار العلاقات، وإعادة ترتيب لأولويات الحياة. فليس كل من اقترب منا كان صادقًا، وليس كل من ابتعد عنا كان خسارة. 

هناك أشخاص يغيبون فلا يترك غيابهم سوى فراغٍ سرعان ما يملؤه النسيان، وهناك آخرون يصبح وجودهم جزءًا من الطمأنينة، لأنهم كانوا سندًا في الشدائد، ورفقةً في الأزمات، وصدقًا حين كثرت الأقنعة.


لقد علمتنا الحياة أن الوفاء لا يُختبر في أوقات الرخاء، بل في لحظات الانكسار. وأن من يقف إلى جوارك عندما تتعثر، يستحق مكانة لا تمنحها سنوات المعرفة وحدها، بل تمنحها المواقف النبيلة. 

لذلك فإن بعض الأشخاص يرتفع قدرهم في القلب كلما مر الزمن، لأنهم أثبتوا أن الإنسانية لا تزال بخير، وأن النبل لا يزال يسكن بعض النفوس.


ومن الحكمة ألا نحزن على من اختار أن يرحل أو أن يسيء، فكل إنسان يكشف نفسه بنفسه.

 أما الذين ظلوا أوفياء، فهؤلاء هم الثروة الحقيقية التي لا تُشترى، وهم الرصيد الذي يمنح الحياة معناها الجميل.


تحية تقدير لكل من كان حضوره صادقًا، ولكل من حمل عن الآخرين بعض أوجاعهم، ولكل من جعل من الموقف كلمةً أبلغ من ألف وعد. فالمواقف هي اللغة الوحيدة التي لا تعرف الكذب، وهي الميزان الذي تُوزن به النفوس، وهي التاريخ الحقيقي الذي يبقى في الذاكرة مهما تعاقبت الأيام.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة