المشاركات

سِفْرُ الإدراك

صورة
 إهداء: ​إِلَى كُلِّ مَنْ يَسْتَعِيرُ مِنَ المَسَافَةِ جَنَاحاً، وَيَبْنِي مِنَ الخَيَالِ وَطَنَا.. إِلَى الَّذِينَ يُدْرِكُونَ قَيْدَهُمْ، فَيَصْنَعُونَ مِنْهُ الحُرِّيَّةَ. ​سِفْرُ الإِدْرَاكِ شعر : حسن غريب أحمد  ​أُدْرِكُ حُدُودِي لِذَا أَرَانِي أُحَلِّقُ طَيْرَا أُدْرِكُ جُنُونِي لِذَا أَرَانِي أُدَوِّنُ شِعْرَا أُدْرِكُ غُرْبَتِي لِذَا أَرَانِي أَرُسُمُ وَطَنَا ​أُدْرِكُ انْكِسَارَ المَاءِ فِي الكَفِّ لِذَا أَرَانِي أُسَافِرُ غَيْمَا أُدْرِكُ ثِقَلَ الأَسْمَاءِ فِي الصَّدْرِ لِذَا أَرَانِي أُسَمِّي الصَّمْتَ وَهْمَا أُدْرِكُ أَنِّي هَشُّ الخُطَى لِذَا أَرَانِي أُعَبِّدُ دَرْبِي بِالنُّورِ كَيْ يَسْتَفِيقَ المَدَى ​أُدْرِكُ انْطِفَاءَ الرُّؤَى فِي العُيُونِ لِذَا أَرَانِي أُوقِدُ شَمْسَا أُدْرِكُ جَفَافَ اللُّغَةِ فِي الحَلْقِ لِذَا أَرَانِي أَعْزِفُ هَمْسَا أُدْرِكُ أَنَّ الزَّمَنَ نَهْرٌ عَتِيٌّ لِذَا أَرَانِي أَبْنِي عَلَى ضِفَّتَيْهِ الجُسُورَ كَيْ لا يَمُرَّ العُمْرُ سُدَى ​أُدْرِكُ وَحْشَةَ المَسَارِ الطَّوِيلِ لِذَا أَرَانِي أُصَادِقُ ظِلِّي أُدْرِكُ ضَيَاعَ الأَثَ...

بنية الاغتراب وجماليات النزوع التوسلي: قراءة في النص الشعري "يا قلب" للشاعرة المغربية نجاة بنسعيد هاشمي

صورة
بنية الاغتراب وجماليات النزوع التوسلي: قراءة في النص الشعري "يا قلب" للشاعرة المغربية نجاة بنسعيد هاشمي حسن غريب أحمد  ناقد باحث شاعر مصري  ​المدخل النصي وعتبة التجلّي يستوي نص الشاعرة نجاة بنسعيد هاشمي "يا قلب" على بساط العمود الشعري الأنيق، متخذًا من بحر الطويل بوقاره وامتداده الموسيقي، ومن الرويّ المضموم (اللام المتبوعة بالهاء) بصدائها النائح، فضاءً عروضيًا يتسع للزفرات الوجدانية والتأملات ذات البعد الاستغراقي.  فالنص ليس مجرد استعادة لغنائية الذات العاشقة، بل هو تجربة في المكابدة ومكاشفة وجودية تتدرج من المناجاة الداخلانية للقلب، مرورًا بالاتصال بالحبيب، وصولًا إلى الالتجاء إلى الذات الإلهية بوصفها الملاذ المطلق. ​أولاً: الجغرافيا النفسية وثنائية الحضور والغياب تعتمد البنية الدلالية للنص على تقابل حاد بين قطبين: (الغياب/ العتمة/ المحاق) و(الحضور/ الإشراق/ الخصب). ​الغياب والتلاشي: يتبدى في قوله: "إن غبتَ أظلمَ وجهُ الأرضِ أجمعُها" و"إن غابَ ضاقَ فضاءُ الروحِ وانطفأتْ / شمسُ النهارِ"؛ حيث يتعطل العالم الخارجي بمجرد اختفاء الأنا الآخر، فيتحول ا...

حين يتجاوز الفن الإطار بين نبض الإنسان وتسليع الجمال

صورة
 «حين يتجاوز الفن الإطار: بين نبض الإنسان وتسليع الجمال» حسن غريب أحمد  ​الفن ليس مجرد رفاهية بصريّة تُزيّن الجدران، ولا نصوصاً مغلقة داخل المتحف، بل هو كائن حي يتنفس بإحساس الإنسان ويعيش بين قضاياه. حين يتجاوز الفن حدود اللوحة، ينقلب من أداة لإثارة الدهشة إلى فعل عطاء حقيقي، يربط القلوب ويخفف عن الأرواح أثقال الحياة ووطأتها. ​الفن كبلسم للروح وجسر للتواصل تستغني لغة الفن عن الحروف؛ فهي تخاطب الوجدان مباشرة وتصل إلى المساحات الأكثر عمقاً وإيلاماً في النفس البشرية. يمتلك الفن قدرة استثنائية على كسر الحدود الثقافية واللغوية، ليتحول إلى مساحة تتساوى فيها البشرية، ويصبح العمل الإبداعي جسراً للتضامن، يرمم الانكسارات ويصنع الأمل وسط صخب العالم. ​صناعة الوهم وتسليع الإمتاع: مفارقة الظلم والقهر لكن هذا البعد الإنساني الشفيف يصطدم اليوم بواقع مرير يخيم على المشهد المعاصر؛ فقد تحول الفن في كثير من زواياه إلى سوق للتجارة والمضاربات الشرسة، وتمددت هذه الظاهرة لتشمل عالم الرياضة ولاعبي الكرة، حيث تُدفع الملايين والملايين في صفقات خيالية وأجور استعراضية لمجرد تقديم المتعة والبهرجة اللحظية. ...

حين يموت الضمير.. من أهان المعلم وسرق المسجد وضرب الكبير ؟

صورة
 حين يموت الضمير... من أهان المعلم وسرق المسجد وضرب الكبير؟ قراءة في انكسار القدوة، وتراجع الأخلاق، واختلال معايير التربية والاحترام بقلم: حسن غريب أحمد لم يعد السؤال اليوم: هل تغيرت أخلاق الناس؟ فالتغير أصبح ملموسًا في تفاصيل الحياة اليومية؛ في طريقة الحديث، وفي أسلوب التعامل، وفي تراجع احترام الكبير، وفي إهانة المعلم، وفي الاعتداء على الوالدين، وفي انتشار المخدرات والاحتيال والعنف، وفي الجرأة على الرموز، وفي تحول بعض السلوكيات التي كانت تُعد صادمة إلى مشاهد يمر بها الناس دون أن تتوقف عندها الضمائر. لكن السؤال الأكثر وجعًا ليس: ماذا يحدث؟ بل: ماذا حدث لنا حتى أصبحنا نرى كل ذلك ولا نهتز؟ كيف يمكن أن يُهان معلم أفنى عمره في تربية أجيال كاملة؟ وكيف تمتد يد إلى مال مسجد في المكان الذي يفترض أن تسكن فيه الضمائر قبل الأجساد؟  وكيف يرفع إنسان يده على كبير في السن؟  وكيف يصل الأمر ببعض الأبناء إلى الاعتداء على آبائهم وأمهاتهم؟ وكيف يصبح تعاطي المخدرات بابًا إلى السرقة والعنف، ويصبح النصب على الناس نوعًا من «الفهلوة» والذكاء؟ إنها ليست حوادث منفصلة. إنها، في دلالتها الأعمق، أعراض...

الزرقاء : جغرافيا الأسطورة وترميم الذاكرة الشفاهية

صورة
 الزرقاء: جغرافيا الأسطورة وترميم الذاكرة الشفاهية للكاتب الأردني ناصر الريماوي  حسن غريب أحمد  ناقد باحث روائي مصري  استهلال  ​يقدم الأديب والروائي الأردني ناصر الريماوي في مجموعته الحكائية "مدينة الزرقاء: من حكايا الليل والسهر" تجربةً سردية متفردة تعيد صياغة الذاكرة المكانية والجمعية للمدينة العربية الحداثية عبر عدسة الواقعية السحرية الأدبية والميثولوجيا المحلية.  فالزرقاء هنا ليست مجرد خلفية جغرافية إسمنتية أو محطة قطار متداعية، بل هي كائن حي متخيل، ذو وجدان وقسوة وشروط أخلاقية وميتافيزيقية. ​تتكئ البنية السردية في النصوص الثمانية على الأسطورة العمرانية  وتتقاطع مع فن الشفاهية الفلكلورية، حيث يتشكل الهيكل العام عبر مستويات نقدية يمكن تفكيكها إلى المحاور التالية: ​أولاً: سيمياء المكان وتحول الجغرافيا إلى كائن أخلاقي  ​لا يتعامل الريماوي مع معالم الزرقاء (عين الجرف، محطة الحجاز، السخنة، تلة الحاووز، سيل الزرقاء، وقصر شبيب) بوصفها تضاريس صامتة، بل بصفتها ذواتاً حية تُمارس العقاب والمكافأة. ​عين الجرف والحاووز والسيل (المياه ككائن مقدس):  الما...

حين يهان الرمز تمثال أمير الشعراء

صورة
  حين يُهان الرمز: تمثال أحمد شوقي بين غياب الصيانة وغياب الوعي الثقافي بقلم: حسن غريب أحمد ليست صورة تمثال أمير الشعراء أحمد شوقي وقد تراكمت فوق رأسه مخلفات الطيور مجرد صورة عابرة يمكن أن تثير شيئًا من السخرية على منصات التواصل الاجتماعي ثم تنتهي الحكاية بانتهاء موجة الغضب. إن المشهد، في دلالته الأعمق، يتجاوز التمثال ذاته إلى سؤال ثقافي وحضاري شديد الأهمية: كيف نتعامل مع رموزنا حين تتحول ذاكرتنا الثقافية إلى مجرد أسماء وتماثيل واحتفالات، من دون أن تتحول إلى ممارسة يومية من الاحترام والرعاية؟ فالتمثال ليس كتلة من البرونز أو الحجر موضوعة في أحد ميادين القاهرة فحسب، وإنما هو جزء من الذاكرة البصرية للمدينة، وشاهد مادي على علاقة المجتمع برموزه الفكرية والأدبية والفنية. وحين يُترك هذا الشاهد للإهمال، فإن ما يتعرض للتشويه ليس ملامح التمثال وحدها، وإنما المعنى الذي يمثله. وأحمد شوقي ليس شخصية هامشية في تاريخ الأدب العربي حتى يمكن التعامل مع تمثاله باعتباره قطعة من أثاث الشارع. نحن أمام شاعر احتل موقعًا مركزيًا في تاريخ الشعر العربي الحديث، وحمل لقب أمير الشعراء، وظلت قصيدته حاضرة في ا...

بلاغة العبث ومقاومة القبح

صورة
 بلاغة العبث ومقاومة القبح قراءة في قصيدة «لما الكلب يعض الإيد اللي اتمدت له» للشاعر سعيد شحاتة بقلم : حسن غريب  أحمد  استهلال حين تضحك القصيدة من جرحها ليست قصيدة «لما الكلب يعض الإيد اللي اتمدت له» للشاعر سعيد شحاتة مجرد نص ساخر يستمد مادته من المفارقات اليومية، ولا هي مجرد لعبة لغوية قائمة على القفلة الطريفة والجملة الشعبية الموحية؛ إنما هي، في جوهرها، محاولة شعرية لإعادة بناء صورة الواقع من خلال تفكيك منطقه الداخلي. فالشاعر لا يواجه القبح بخطاب وعظي مباشر، ولا يرفع صوته في وجه الاختلال الاجتماعي، وإنما يختار السخرية بوصفها أداة مقاومة جمالية؛ فيجعل الأشياء تتكلم بلغتها اليومية، ويترك للعبث أن يكشف عبثه بنفسه. وهذا يتصل بجانب مهم من تجربة سعيد شحاتة الشعرية التي ارتبطت بالعامية المصرية بوصفها لغة قادرة على الاقتراب من الناس وتفاصيل حياتهم ووجدانهم، وهي رؤية عبّر عنها الشاعر في أكثر من مناسبة. ومن هنا فإن قراءة القصيدة لا ينبغي أن تتوقف عند سطحها الكوميدي؛ لأن الضحك فيها ليس نهاية الدلالة، وإنما هو الطريق إلى الدلالة. أولًا: المفارقة بوصفها بنية مركزية يبدأ الشاعر بقوله...