بلاغة العبث ومقاومة القبح
بلاغة العبث ومقاومة القبح
قراءة في قصيدة «لما الكلب يعض الإيد اللي اتمدت له» للشاعر سعيد شحاتة
بقلم : حسن غريب
أحمد
استهلال
حين تضحك القصيدة من جرحها
ليست قصيدة «لما الكلب يعض الإيد اللي اتمدت له» للشاعر سعيد شحاتة مجرد نص ساخر يستمد مادته من المفارقات اليومية، ولا هي مجرد لعبة لغوية قائمة على القفلة الطريفة والجملة الشعبية الموحية؛ إنما هي، في جوهرها، محاولة شعرية لإعادة بناء صورة الواقع من خلال تفكيك منطقه الداخلي.
فالشاعر لا يواجه القبح بخطاب وعظي مباشر، ولا يرفع صوته في وجه الاختلال الاجتماعي، وإنما يختار السخرية بوصفها أداة مقاومة جمالية؛ فيجعل الأشياء تتكلم بلغتها اليومية، ويترك للعبث أن يكشف عبثه بنفسه.
وهذا يتصل بجانب مهم من تجربة سعيد شحاتة الشعرية التي ارتبطت بالعامية المصرية بوصفها لغة قادرة على الاقتراب من الناس وتفاصيل حياتهم ووجدانهم، وهي رؤية عبّر عنها الشاعر في أكثر من مناسبة.
ومن هنا فإن قراءة القصيدة لا ينبغي أن تتوقف عند سطحها الكوميدي؛ لأن الضحك فيها ليس نهاية الدلالة، وإنما هو الطريق إلى الدلالة.
أولًا: المفارقة بوصفها بنية مركزية
يبدأ الشاعر بقوله:
«لما الكلب يعض الإيد اللي اتمدت له
بيصبح ديب»
إنها ليست صورة عابرة، بل مفتاح تأويلي للنص كله.
فالكلب، في المخيال الجمعي، مرتبط بالوفاء والحراسة، بينما الذئب يحيل إلى الافتراس والخطر. وحين ينتقل الكلب إلى مرتبة الذئب لأنه عضّ اليد التي امتدت إليه، فإن الشاعر يقلب منظومة القيم رأسًا على عقب.
لم يعد الوفاء معيارًا للقوة، بل صار العدوان طريقًا إليها.
وهنا تنشأ المفارقة الكبرى: حين يختل ميزان القيم، يصبح السلوك المنحرف وسيلة للترقي الاجتماعي.
ومن ثم فإن الشاعر لا يسخر من «الكلب» بقدر ما يسخر من المجتمع الذي يسمح للكلب بأن يصبح ذئبًا.
ثانيًا: من الحيوان إلى الإنسان... انتقال السخرية من المجاز إلى الواقع
بعد المطلع مباشرة ينتقل الشاعر إلى الإنسان:
«جيبك مش عنوان لوجاهتك
أنا أصلاً ماشي بدون جيب»
وهنا تتسع الدائرة.
فالجيب يتحول من مجرد عضو في الملابس إلى علامة اجتماعية؛ إنه رمز للمال، والنفوذ، والوجاهة، والقدرة على الحضور والتأثير.
لكن الشاعر يقاوم هذه المعادلة بإعلان ساخر:
«أنا أصلاً ماشي بدون جيب»
إنه لا يعلن الفقر بقدر ما يعلن رفضه لأن يكون الجيب معيارًا للقيمة.
وتتكرر في النص هذه الاستراتيجية: أخذ شيء بسيط من الحياة اليومية ثم تحميله معنى اجتماعيًا أوسع.
وهذه إحدى خصائص الكتابة العامية حين تتجاوز الوظيفة التواصلية إلى الوظيفة الشعرية؛ إذ تصبح المفردة الشعبية حاملة لطبقات من الدلالة لا تبدو في معناها المعجمي المباشر.
ثالثًا: استدعاء التراث وإعادة تدوير الذاكرة الشعبية
يقول:
«مين يا يمامه قدر يتحرك
لما دخل بحصانه كُليب»
لا يحضر «كليب» هنا باعتباره شخصية تاريخية أو تراثية فحسب، وإنما باعتباره علامة على القوة المهيمنة.
والشاعر لا يعيد سرد حكاية قديمة، بل يستدعي شظية من الذاكرة الشعبية ليضعها في سياق معاصر.
وهذا الاستخدام للتراث يقوم على آلية مهمة: الاختزال ثم إعادة التوظيف.
فالشاعر يفترض أن المتلقي يمتلك ذاكرة مشتركة تسمح له بفهم الإشارة دون حاجة إلى شرح طويل.
وهنا يتحول التراث من مادة محفوظة إلى مادة حية قابلة لإعادة الإنتاج.
رابعًا: اللغة وهي تسخر من نفسها
من أكثر مناطق النص دلالة:
«هو القبقاب مهما اتطور
عمره هيمسك شيخ قباقيب»
ثم:
«الكدب ما يصنعش أدارجي
والرقص ما يعملش أديب»
هنا تظهر إحدى أبرز أدوات الشاعر: اللعب على البنية الصوتية للكلمة.
فـ«القبقاب» و«قباقيب»، و«الكدب» و«أدارجي»، و«الرقص» و«أديب»؛ كلها مفردات تتحرك في فضاء صوتي شعبي، لكنها لا تستخدم للزخرفة، وإنما لتوليد معنى نقدي.
والبيت:
«والرقص ما يعملش أديب»
يتجاوز السخرية من نموذج بعينه ليؤسس لموقف نقدي من ظاهرة أوسع: الخلط بين الحضور الاجتماعي والقيمة الإبداعية.
فليس كل من ظهر أصبح أديبًا، وليس كل من أتقن استعراض نفسه امتلك موهبة.
وهنا تبدو القصيدة وكأنها تعيد تعريف العلاقة بين الموهبة والاستعراض.
خامسًا: العبث الصوتي بوصفه محاكاة لواقع عبثي
يقول:
«دبدوب دبدب ع الدُّبديبه
جمّع كيلو من الدباديب»
قد يتعامل القارئ السريع مع هذا المقطع باعتباره مجرد «قفشة» لغوية، لكنه في البناء الكلي للقصيدة يؤدي وظيفة أعمق.
إن الشاعر يصنع لغة عبثية لمواجهة واقع عبثي.
تكرار الأصوات، وتقارب الكلمات، والانزلاق من «دبدوب» إلى «دبدب» ثم «الدبديبة» و«الدباديب» يجعل اللغة نفسها تتحرك كأنها جزء من لعبة شعبية.
وهنا يصبح الشكل محاكاة للمضمون:
عالم مرتبك ينتج لغة مرتبكة، ولغة ساخرة تكشف عالمًا فقد اتزانه.
وهذا ما يمنح العبث في القصيدة قيمة جمالية، لا مجرد قيمة فكاهية.
سادسًا: «المولد» استعارة للمجتمع
من أكثر الصور تركيبًا:
«دوشه ومراجيح... بمب بيضرب
مولد... واتمرجح يا خطيب»
هنا تتحول مفردات المولد الشعبي إلى مسرح رمزي للحياة الاجتماعية.
الدوشة، والمراجيح، والبمب، والخطيب، والحركة المستمرة؛ كلها عناصر تصنع مشهدًا يبدو احتفاليًا، لكنه في العمق شديد القلق.
إنه مجتمع يتحرك كثيرًا، ويتكلم كثيرًا، ويحدث ضجيجًا كثيرًا، لكن السؤال الذي يظل معلقًا:
إلى أين؟
ومن هنا يمكن قراءة «المولد» باعتباره استعارة للواقع: حركة بلا ضرورة، وصخب بلا نتيجة، واستعراض يغطي فراغ المعنى.
سابعًا: الإنسان يتحول إلى «مركوب»
يبلغ النقد الاجتماعي درجة أكثر وضوحًا في قوله:
«اركب فوق الناس واستركب
زود أعداد المراكيب»
المفردة المحورية هنا هي «استركب».
فالآخر لم يعد إنسانًا له إرادة وكرامة، بل أصبح وسيلة للوصول.
إنها صورة مركزة لعلاقة القوة بالضعف، ولعلاقة صاحب النفوذ بمن لا يملك القدرة على المقاومة.
لكن الأهم أن الشاعر لا يتحدث عن «راكب» واحد؛ بل يقول:
«زود أعداد المراكيب»
أي أن المشكلة أصبحت نظامًا اجتماعيًا لا حالة فردية.
ثامنًا: السرد الشعري وتفكيك مركزية القصيدة
تتميز القصيدة كذلك ببنية شبه سردية؛ فالشاعر ينتقل من موقف إلى آخر، ومن شخصية إلى أخرى، ومن مشهد إلى مشهد:
الكلب، الجيب، كليب، القبقاب، الأدارجي، الدبدوب، الخايب، القزعة، المولد، الشيخ، الطعام، الجار، المباراة، السيلفي، الشيب، الأم، الخونة.
وهذا التعدد لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تفككًا عشوائيًا، وإنما بوصفه تشكيلًا فسيفسائيًا.
كل مشهد قطعة صغيرة، لكن القطع مجتمعة ترسم صورة واحدة:
مجتمع يختلط فيه الخاص بالعام، والهزل بالجد، والواقع بالخيال، والحكمة بالهذيان.
ومن هذه الزاوية تتقاطع القصيدة مع ما رصدته دراسات نقدية حديثة في تجربة سعيد شحاتة من حضور السرد، وتداخل الواقع والخيال، وتشكيل المشهد والشخصيات داخل القصيدة العامية.
تاسعًا: السيلفي... لحظة انكشاف الذات
من أجمل تحولات القصيدة:
«اتصورت معاهم سيلفي
شعري وجعني بشكل غريب
لما ظهر شايب في الصوره
هل دا طبيعي.. الشعر يشيب؟»
هنا يتوقف الشاعر فجأة عن مراقبة الآخرين.
يدخل هو نفسه إلى الصورة.
وهذا التحول بالغ الأهمية نقديًا؛ لأن الشاعر كان طوال القصيدة تقريبًا في موقع الراصد، ثم يكتشف أنه ليس خارج المشهد.
الشيب هنا يمكن قراءته على مستويين:
المستوى الجسدي: أثر طبيعي للزمن.
والمستوى الرمزي: أثر ما يفعله الزمن والواقع بالإنسان.
وبذلك يصبح سؤال:
«هل دا طبيعي.. الشعر يشيب؟»
أعمق من ظاهره الساخر؛ فهو سؤال عن الزمن، وعن التعب، وعن قدرة الإنسان على الاحتفاظ ببراءته وسط عالم متعب.
عاشرًا: الأم... عودة الحكمة إلى أصلها الشعبي
بعد كل هذا الضجيج تأتي الأم:
«أمي قالتي ف ودني بقوه
لو نشنت لا بد تصيب»
الأم هنا ليست مجرد شخصية داخل القصيدة، وإنما تمثل الذاكرة الشعبية والحكمة البسيطة.
وفي مواجهة عالم مليء بالاستعراض، تقدم الأم قاعدة واحدة:
إذا صوبت، فلا بد أن تصيب.
إنها جملة بسيطة، لكنها تختزل فلسفة القصيدة كلها:
لا قيمة للضجيج إذا لم يصب الهدف.
ولا قيمة للكلام إذا لم يتحول إلى فعل.
ولا قيمة للاستعراض إذا غابت الحقيقة.
الحادي عشر: الثورة المؤجلة... أم الثورة على مفهوم الثورة؟
يقول الشاعر:
«والعالم مش محتاج ثوره
ولا لازمه إعادة ترتيب»
هذا المقطع من أكثر مواضع النص قابلية للتأويل.
فكيف يمكن لشاعر يكشف كل هذا الخلل أن يقول إن العالم لا يحتاج إلى ثورة؟
الجواب يكمن في المفارقة.
ربما لا يرفض الشاعر التغيير، وإنما يرفض التغيير الذي يكتفي بتبديل المواقع دون تبديل القيم.
فقد تتغير الوجوه، ويبقى النظام الأخلاقي نفسه.
وقد يسقط صاحب سلطة ليأتي آخر يمارس الاستعلاء ذاته.
ومن هنا يصبح رفض «إعادة الترتيب» رفضًا لإعادة ترتيب المقاعد فقط، لا رفضًا لإعادة بناء الإنسان.
الثاني عشر: «السيفون»... القفلة التي تختصر فلسفة القصيدة
تأتي النهاية:
«شد سيفون ع الخونه بإيدك
علشان ريحة الخاين عيب»
هذه ليست مجرد قفلة ساخرة، وإنما هي الصورة المركزية التي يعاد من خلالها تأويل النص كله.
السيفون فعل تطهير.
والخيانة في الصورة الشعرية تتحول إلى رائحة.
أما «بإيدك» فتضع المسؤولية في يد الإنسان نفسه.
وهكذا تنتقل القصيدة من نقد المجتمع إلى تحميل الفرد مسؤولية المشاركة في إصلاحه.
فالقصيدة لا تطلب مخلّصًا خارجيًا، ولا بطلًا أسطوريًا، وإنما تقول ضمنيًا:
نظّف المساحة التي تستطيع تنظيفها.
وهنا تبلغ السخرية ذروتها الأخلاقية.
الإيقاع بين الموسيقى والضحك
الإيقاع في القصيدة لا يتأسس فقط على الوزن أو القافية، وإنما على التجاور الصوتي والتكرار والقفلة الشعبية.
ومن اللافت كثرة النهايات المتقاربة:
«ديب / سراديب / جيب / كليب»
و:
«قباقيب / أديب / دباديب»
و:
«كراكيب / تدريب / مشاريب / غريب / يشيب»
هذا التكرار الصوتي يجعل القصيدة قريبة من الأداء الشفاهي، ويمنحها قابلية عالية للإلقاء.
وهنا تتأكد أهمية الإنشاد في شعر العامية؛ فالكلمة لا تُقرأ فقط، بل تُسمع وتتحرك في الفم والأذن.
لكن الشاعر لا يجعل الموسيقى غاية منفصلة؛ وإنما يوظفها في تعميق السخرية.
فكلما اقتربت القافية، شعر المتلقي أنه أمام لعبة، وكلما اكتملت اللعبة انكشف خلفها معنى أكثر مرارة.
القصيدة بين الشعر والكاريكاتير
يمكن النظر إلى النص أيضًا بوصفه قريبًا من الكاريكاتير الشعري.
فالكاريكاتير لا يرسم الشخص كما هو، وإنما يضخم سمة فيه لكي يكشف جوهره.
وهذا بالضبط ما يفعله سعيد شحاتة:
يضخم الجيب حتى يصبح رمزًا للوجاهة.
يضخم المولد حتى يصبح صورة للمجتمع.
يضخم «الراكب» حتى يصبح نموذجًا للسلطة.
يضخم «السيلفي» حتى يصبح مرآة للزمن.
يضخم «السيفون» حتى يصبح فعلًا للتطهير الأخلاقي.
وبذلك لا تعود المفردات اليومية مجرد تفاصيل؛ إنها أقنعة صغيرة لأفكار كبيرة.
الخاتمة: قصيدة تضحك كي لا تبكي
تنجح قصيدة «لما الكلب يعض الإيد اللي اتمدت له» في بناء عالم شعري قائم على المفارقة والتهكم واللعب اللغوي، لكنها لا تسقط في فخ الفكاهة المجردة؛ لأن خلف الضحك وعيًا اجتماعيًا يرى اختلال القيم، وتحول المال إلى وجاهة، والاستعراض إلى موهبة، والضجيج إلى حضور، والقوة إلى حق، والخيانة إلى سلوك قابل للتطبيع.
واللافت أن الشاعر لا يقدم نفسه واعظًا خارج هذا العالم، بل يضع نفسه داخله؛ يدخل الصورة، يكتشف الشيب في شعره، ويستمع إلى أمه، ثم ينتهي إلى نصيحة شديدة البساطة:
«شد سيفون ع الخونه بإيدك»
وهذه البساطة هي التي تمنح الخاتمة قوتها.
فالقصيدة في النهاية ليست دعوة إلى الهروب من الواقع، وإنما إلى تنظيفه من داخله.
إنها قصيدة عامية تستثمر مفردات الشارع، لكنها لا تبقى أسيرة الشارع؛ ترتفع من اليومي إلى الرمزي، ومن المضحك إلى المؤلم، ومن القفلة الطريفة إلى السؤال الأخلاقي.
ولهذا يمكن القول إن سعيد شحاتة يكتب هنا قصيدة ساخرة ذات وعي احتجاجي، تستخدم العبث لا لتجميل الواقع، بل لفضح منطقه؛ وتستخدم العامية لا باعتبارها لغة أقل من الفصحى، وإنما باعتبارها أداة جمالية تمتلك قاموسها وإيقاعها وطاقتها التصويرية الخاصة.
والقصيدة، في تقديري، تضعنا أمام حقيقة بسيطة وقاسية:
أحيانًا لا يضحك الشاعر لأن العالم مضحك، وإنما يضحك لأن البكاء لم يعد كافيًا.

تعليقات
إرسال تعليق