المشاركات

عرض المشاركات من مارس, 2026

قراءة نقدية في دراسة: “بيروت وهجير الأغنيات” (مقاربة في تفكيك خطاب الألم واستعادة الأيقونة الجمالية)

صورة
  قراءة نقدية في دراسة: “بيروت وهجير الأغنيات” (مقاربة في تفكيك خطاب الألم واستعادة الأيقونة الجمالية) حسن غريب أحمد  ناقد باحث مصري   تُقدّم دراسة “بيروت وهجير الأغنيات” للدكتورة سناء أسعد يحفوفي قراءةً مفعمةً بالتوهّج التأويلي لنصّ الشاعر حميد سعيد “تُقبل بيروت بجلباب حرائقها”، وهي قراءة لا تقف عند حدود الشرح أو التفسير، بل تتجاوز ذلك إلى بناء خطاب نقدي موازٍ، ينهض على لغة كثيفة، ورؤية مركّبة، تستحضر فيها الناقدة أدواتها الجمالية والمعرفية لتعيد تشكيل النص بوصفه تجربة وجودية شاملة. منذ العتبة الأولى، تنحاز الدراسة إلى لغة مشحونة بالاستعارة، حيث تتحول “بيروت” من موضوع شعري إلى كائن أنطولوجي يتنفس الألم، وتغدو الكتابة نفسها فعل احتراق موازٍ. هذا الخيار الأسلوبي، على الرغم من جمالياته العالية، يضع القارئ أمام نص نقدي يكاد يلامس تخوم الشعر، فيتداخل فيه الخطابان: الإبداعي والنقدي، في علاقة شدّ وجذب تُثري القراءة من جهة، لكنها قد تُثقلها من جهة أخرى. أولًا: جمالية العتبة وتحويل العنوان إلى بؤرة دلالية تنجح الدراسة في التقاط مركز الثقل في القصيدة: “جلباب الحرائق”، بوصفه استعار...

مصر ليست خامساً بل أصل الحكاية

صورة
  مصر ليست هامشًا… بل أصل الحكاية حسن غريب   ليست هذه المرة الأولى التي تخرج فيها أصوات مأزومة، مأخوذة بوهم التفوق اللحظي، لتتطاول على دولة بحجم مصر، ولا أظنها ستكون الأخيرة. فالتاريخ علّمنا أن من يجهل الجغرافيا، يسيء قراءة الحاضر، ومن يجهل التاريخ، يسيء الأدب مع الكبار. مصر، التي يحاول البعض اختزالها في أرقام ديون أو أزمات اقتصادية عابرة، هي ذاتها الدولة التي صنعت معنى الدولة في منطقتنا، ورسّخت مفهوم الاستقرار حين كانت المنطقة تموج بالفوضى. ليست مصر دولة هامشية كما يزعم قائل جاهل، بل هي قلب العروبة النابض، ومركز ثقلها السياسي والثقافي والحضاري منذ آلاف السنين. أما الحديث عن الديون، فهو طرح سطحي يفتقر إلى الفهم الاقتصادي والسياسي معًا. فالدول الكبرى، شرقًا وغربًا، تقوم اقتصادياتها على أدوات التمويل والدين والاستثمار، وليس ذلك عيبًا في حد ذاته، بل هو جزء من إدارة الاقتصاد الحديث. الفرق الحقيقي ليس في وجود الدين، بل في قدرة الدولة على إدارة مواردها، ومكانتها التي تتيح لها النهوض رغم التحديات. ومصر، رغم كل الضغوط، لا تزال واقفة، تتحرك، تبني، وتؤثر. ثم إن من يختزل علاقة مصر بدول ا...

الضجيج الرخيص لا يصنع كاتبًا: حين تتحول الإساءة إلى مهنة

صورة
  الضجيج الرخيص لا يصنع كاتبًا: حين تتحول الإساءة إلى مهنة حسن غريب في زمنٍ بات فيه الوصول إلى الضوء أسهل من الوصول إلى المعنى، لم يعد غريبًا أن نرى من يتعمد إشعال الحرائق الكلامية ليحجز لنفسه مقعدًا في صدارة المشهد. لكن ما يثير الاشمئزاز حقًا هو أن تُمارَس هذه الفوضى باسم الكتابة، وأن يُقدَّم الابتذال بوصفه جرأة. هنا تحديدًا تتجلى حالة فؤاد الهاشم، لا كاستثناء، بل كنموذج فجّ لهذا الانحدار. ما قيل لم يكن رأيًا، ولن يكون. الرأي يُناقَش، أما الإهانة فتُرفَض. الرأي يُبنى على فهم، أما ما صدر فبُني على تعالٍ فارغ، وسخرية مستهلكة، ومحاولات بائسة لاجتذاب الانتباه. نحن أمام خطاب لا يحمل أي قيمة فكرية، بل يعتمد على معادلة مفضوحة: كلما زادت الإساءة، زاد الانتشار. وهذه ليست شجاعة، بل عجزٌ مقنّع. فالشجاع هو من يطرح فكرة قابلة للنقاش، لا من يختبئ خلف عبارات جارحة ويظن أنه بذلك يفرض حضوره. إن هذا النوع من الكتابة لا يكشف شيئًا عن الآخرين بقدر ما يعرّي صاحبه، ويضعه في موقع من فقد أدواته، فلم يجد سوى الصراخ. المفارقة أن مثل هذه الأصوات تراهن دائمًا على رد الفعل، تعيش عليه، وتتغذى منه. فهي لا تملك ...

سقوط القلم حين يتوهم الضجيج بطولة: تفكيك خطاب فؤاد الهاشم

صورة
  سقوط القلم حين يتوهم الضجيج بطولة: تفكيك خطاب فؤاد الهاشم حسن غريب كاتب روائي مصري  في لحظةٍ يختلط فيها الصوت بالضجيج، ويُستبدل فيها المعنى بالإثارة، يخرج علينا خطابٌ لا يمكن وصفه إلا بأنه نموذج صارخ لانحدار الكلمة حين تفقد بوصلتها الأخلاقية. هنا لا نتحدث عن اختلاف في الرأي، بل عن خطاب يتعمد الإساءة، ويُصرّ على تحويل الكتابة إلى ساحة للابتذال. ولعل ما صدر عن فؤاد الهاشم يقدّم مثالًا مكثفًا لهذا السقوط. ليس من الصعب أن يكتب المرء جملة صادمة، أو أن يثير عاصفة من الجدل، لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في أن يكون لما يُكتب قيمة. وهنا تحديدًا تتكشف الأزمة: خطاب يقوم على الاستفزاز كغاية، وعلى التعميم كأداة، وعلى السخرية كبديل للفكرة. إنه خطاب لا ينتقد بقدر ما يهين، ولا يحاور بقدر ما يهاجم، وكأن صاحبه لم يعد يملك سوى هذه الأدوات الباهتة لفرض حضوره. إن ما يثير الدهشة ليس مضمون الإساءة في حد ذاته، بل هذا الإصرار على إعادة إنتاجها بوصفها "رأيًا". فالرأي، في جوهره، موقفٌ يُبنى على حجة، أما ما نراه هنا فهو انفعالٌ يتخفى في ثوب الكتابة. وبين الحجة والانفعال مسافة لا يدركها إلا من امتلك حدًا أ...

حين تُروى مصر شعراً: البنية الملحمية وتحولات الخطاب في ديوان "الملحمة" للشاعر صلاح يوسف

صورة
  حين تُروى مصر شعراً: البنية الملحمية وتحولات الخطاب في ديوان "الملحمة" للشاعر صلاح يوسف حسن غريب ناقد وباحث مصري استهلال:  حين يتحول الشعر إلى وطن ليست بعض الدواوين مجرد نصوص تُقرأ، بل حالات تُعاش، و"الملحمة" للشاعر صلاح يوسف واحدة من تلك الأعمال التي تتجاوز حدود الشعر إلى فضاء أوسع، حيث يمتزج التاريخ بالوجدان، وتصبح مصر بطلة النص، لا موضوعه فقط. منذ اللحظة الأولى، يضعنا الشاعر أمام رؤية واضحة: الكتابة هنا رسالة، والانحياز للوطن ليس اختيارًا جماليًا فحسب، بل ضرورة وجودية. لذلك لا يكتب الشاعر عن مصر من الخارج، بل من داخلها، كمن ينطق بلسانها ويستعيد ذاكرتها، ويقاوم بها النسيان. أولاً: إشكالية النوع… من الملحمة الكلاسيكية إلى الملحمة الشعبية الحديثة ينتمي الديوان إلى شكل الملحمة، لكنه لا يستعيدها بصيغتها التقليدية القائمة على البطل الفردي والصراع الأسطوري، بل يعيد إنتاجها ضمن سياق حديث، حيث: يغيب البطل الفردي تحضر "مصر" بوصفها بطلاً جمعيًا يتحول الصراع من أسطوري إلى تاريخي/إنساني ومن ثم يمكن النظر إلى هذا العمل بوصفه: ملحمة شعبية حديثة تقوم على التفاعل بين ...

حين لا نتأقلم بل نتعود

صورة
حين لا نتأقلم… بل نتعوّد: سيرة الصمت في مواجهة الفقد حسن غريب   ليست كل الأسئلة بريئة، ولا كل الإجابات قابلة للاختزال في كلمات قليلة. حين يُسأل الإنسان: “كيف تأقلمت؟” يبدو السؤال وكأنه يفترض مسبقًا اكتمال عملية داخلية، نضجًا ما، أو عبورًا هادئًا من الألم إلى الطمأنينة. غير أن الحقيقة، في كثير من الأحيان، أكثر قسوة وتعقيدًا؛ إذ لا يكون ما حدث تأقلمًا بقدر ما هو نوع من التعايش القسري، أو ما يمكن تسميته بـ"اعتياد الجرح". الفرق بين التأقلم والتعوّد ليس فارقًا لغويًا فحسب، بل هو فرق وجودي عميق. التأقلم يفترض نوعًا من التفاعل الإيجابي مع الواقع، نوعًا من إعادة تشكيل الذات لتنسجم مع المتغيرات. أما التعوّد، فهو حالة من التبلّد التدريجي، حيث لا يختفي الألم، بل يتوارى في الخلفية، يتحول إلى جزء من المشهد الداخلي، لا يُرى دائمًا، لكنه لا يغيب أبدًا. حين يقول القائل: “لم أتأقلم أبداً، فقط أنا تعودت”، فهو لا يعلن ضعفًا، بل يكشف عن درجة عالية من الوعي بما جرى له. هو لا يدّعي الشفاء، ولا يتزيّن بقناع القوة الزائفة، بل يعترف بأن ما بداخله لم يُحلّ، بل تمّ تأجيله، أو بالأحرى: تمّ التعايش معه ك...

بين الجفاف والتدفق في أسرار الكتابة وندرتها

صورة
  بين الجفاف والتدفّق: أسرار غزارة الكتابة وشحّها حسن غريب   ليست الكتابة نهرًا دائم الجريان، ولا هي صحراء قاحلة على الدوام؛ إنها حالة وجودية مركّبة، تتأرجح بين الامتلاء والفراغ، بين الدفق والانحباس. ولعلّ السؤال الأكثر إلحاحًا لدى الكُتّاب، قديماً وحديثاً، هو: ما الذي يجعل النصوص تتدفق أحيانًا كالسيل، ثم تتمنّع أحيانًا أخرى حتى تكاد الكلمات تختنق في الحلق؟ الحقيقة أن غزارة الكتابة أو شحّها لا تخضع لسبب واحد، بل هي نتيجة تفاعل معقّد بين عوامل نفسية، ومعرفية، وجمالية، بل وحتى وجودية. أول هذه العوامل هو الامتلاء الداخلي. فالكاتب لا يكتب من فراغ، بل من فائض تجربة أو فكرة أو إحساس. حين تتراكم الخبرات في الداخل، وتبلغ حدّ التوتر، تصبح الكتابة ضرورة، أشبه بانفجار لغوي يطلب مخرجًا. أما حين يفتقر الداخل إلى هذا التوتر الخلّاق، فإن الكتابة تذبل، لا لأن الكاتب عاجز، بل لأنه لم يبلغ بعدُ درجة الاشتعال. وثانيها الحالة النفسية. فالتوتر، القلق، الحزن، وحتى الفرح، قد تكون وقودًا للكتابة، لكنها في أحيان أخرى تتحول إلى عائق. بعض الكُتّاب يكتبون في ذروة الألم، بينما يحتاج آخرون إلى مسافة من الت...

فن استعادة الذات

صورة
  فنّ استعادة الذات: حين يعود الإنسان إلى نفسه حسن غريب  في زحام الحياة، لا يضيع الوقت وحده، بل يضيع  الإنسان أحيانًا من نفسه. تتكاثر الأدوار، وتتشابك العلاقات، وتعلو الضغوط حتى يصبح المرء غريبًا عن صوته الداخلي، كأنّه يعيش حياة كُتبت له لا به. هنا، لا تكون الأزمة في الخارج فقط، بل في تلك المسافة الخفية التي تنشأ بين الإنسان وذاته. ومن هذا المنعطف يبدأ ما يمكن أن نسمّيه: فن استعادة الذات. استعادة الذات ليست قرارًا عابرًا، ولا لحظة انفعال مؤقتة، بل هي مسار طويل من الوعي والتفكيك وإعادة البناء. إنها رحلة تبدأ بسؤال بسيط لكنه عميق: من أنا الآن؟ لا كما يراني الآخرون، ولا كما كنت في الماضي، بل كما أنا في هذه اللحظة بكل ما فيها من صدق أو ارتباك. أولى خطوات هذا الفن هي الاعتراف بالفقد. أن يدرك الإنسان أنه قد ابتعد عن نفسه، وأن هذا الابتعاد ليس عيبًا بل نتيجة طبيعية لتجارب الحياة وضغوطها. الاعتراف هنا ليس ضعفًا، بل شجاعة أولى تفتح الباب للتغيير. فالكثيرون يعيشون في إنكار دائم، يهربون من مواجهة حقيقتهم، فيزداد التباعد بدل أن يلتئم. ثم يأتي دور الصمت. ليس الصمت الخارجي فقط، بل صمت ...

عندما تتكلم الحروب… تُنقذنا فيروز بصمتها الغنائي

صورة
  عندما تتكلم الحروب… تُنقذنا فيروز بصمتها الغنائي حسن غريب   في كل مرة تتكاثر فيها صور الخراب، وتتزاحم أصوات المدافع مع أنين البشر، نبحث – بوعي أو بدونه – عن ملاذٍ يحمينا من الانكسار الداخلي. وحين تضيق اللغة عن التعبير، ويخوننا الواقع، نعود إلى صوتٍ قديمٍ لا يشيخ… نعود إلى فيروز. ولمَ لا؟ وهي التي لم تكن يومًا مجرد مطربة، بل حالة وجدانية كاملة، وصوتًا يتجاوز الجغرافيا والسياسة، ليقيم في مساحة أعمق: مساحة الإنسان حين يكون هشًّا، خائفًا، ومحتاجًا إلى عزاء لا يُشبه الخطب ولا الشعارات. إن صوت فيروز لم يولد في زمن الحرب، بل سبقها، وكأنه خُلق ليكون نقيضها. في زمنٍ كانت فيه المدن تُبنى على مهل، والأحلام تُنسج بهدوء، خرج صوتها ليقول إن الحياة ممكنة، وإن الجمال ليس ترفًا بل ضرورة. وحين جاءت الحروب، لم ينكسر هذا الصوت، بل صار أكثر حاجةً، وأكثر حضورًا. في لحظات الخوف الأولى، حين ترتجف القلوب وتضيع المعاني، لا نلجأ إلى التحليل ولا إلى الأخبار، بل إلى شيءٍ يشبه الطمأنينة الأولى. هناك، في أغنيةٍ لفيروز، نجد أنفسنا كما كنّا قبل أن يعلّمنا العالم القسوة. نجد بيوتًا لم تهدمها القذائف، وطرقاتٍ...

حين يصبح الشعر معرفة: محمود درويش وقلق الاكتشاف في اللغة والحياة

صورة
  حين يصبح الشعر معرفة: محمود درويش وقلق الاكتشاف في اللغة والحياة حسن غريب   حين نقترب من تجربة محمود درويش لا نكون بإزاء شاعر يكتب فحسب، بل أمام كائنٍ يعيد مساءلة الوجود ذاته عبر اللغة. فشعره ليس انعكاسًا للواقع بقدر ما هو إعادة تشكيل له، حيث تتحول المعرفة من كونها تراكمًا ذهنيًا إلى فعلٍ حيٍّ يتجسد في النص، ويعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والعالم. منذ البدايات، ارتبطت تجربة درويش بسؤال الهوية، لكن هذا السؤال لم يظل سجين الجغرافيا أو السياسة، بل سرعان ما انفتح على أفق أوسع: سؤال المعرفة. أي: كيف يعرف الإنسان نفسه؟ وكيف يصوغ هذه المعرفة في فعلٍ إبداعي قادر على مقاومة التلاشي؟ هنا، لم يعد الشعر عنده وسيلة تعبير، بل أداة إدراك، أو ما يمكن تسميته "معرفة جمالية"، تتجاوز المباشر إلى التأويلي والرمزي. لقد أدرك درويش مبكرًا أن المعرفة الحقيقية لا تُقال بل تُبنى. لذلك جاءت قصيدته كمساحة تركيب، لا تقرير. ففي نصوصه، لا نجد إجابات جاهزة، بل شبكة من الأسئلة التي تُربك القارئ وتدفعه إلى المشاركة في إنتاج المعنى. وهنا يتحول القارئ من متلقٍ سلبي إلى فاعل معرفي، يشارك في استكمال النص، وكأن ...

أتى العيد الذي يفضح القلوب

صورة
  أتى   العيد الذي يفضح القلوب حسن غريب   ليس كل صمتٍ بريئًا… ففي الأعياد تحديدًا، يصبح الصمت موقفًا، ويغدو التجاهل رسالةً واضحة لا تحتاج إلى تفسير. قال أبو الطيب المتنبي: «عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ / بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديدُ» لكن السؤال اليوم لم يعد موجهًا إلى العيد، بل إلى القلوب التي تخلّت عن أبسط واجباتها الإنسانية، ثم مضت وكأن شيئًا لم يكن. أيُّ عيدٍ هذا الذي يمرّ، ولا يكلّف فيه أخٌ نفسه رسالة؟ ولا يسأل قريبٌ عن قريب؟ ولا يتذكر إنسانٌ إنسانًا، إلا إذا اقتضت مصلحته؟ ليست المشكلة في تهنئة غابت، بل في مشاعر انطفأت، وفي روابط كانت يومًا تُسمى “عائلة”، ثم تآكلت حتى صارت مجرد أسماء بلا دفء. هناك خذلانٌ عابر… وهناك خذلانٌ يُعيد ترتيب كل شيء في داخلك. خذلان يجعلك تدرك فجأة أنك كنت ترى ما لا يرونه، وتمنح ما لا يقدّرونه، وتنتظر ممن لا يعرفون أصلًا معنى الانتظار. الأقسى أن يأتي هذا كله من “الدائرة الأولى”: من إخوة، من أبناء دم، من وجوهٍ يفترض أنها الأقرب، فإذا بها الأبعد حين تحتاجها. وهنا، لا يعود الصمت حيادًا، بل يصبح موقفًا فاضحًا: فضيحة برود، وفضيحة لا مبالاة، وفضيحة...

بلاغة التفاصيل وهشاشة الإنسان: قراءة نقدية في ديوان "ما نُخبِّئه في عُلَبِ سجائرنا الفارغة" للشاعرة الموريتانية أم النصر مامين

صورة
  بلاغة التفاصيل وهشاشة الإنسان:  قراءة نقدية في ديوان "ما نُخبِّئه في عُلَبِ سجائرنا الفارغة" للشاعرة الموريتانية أم النصر مامين   بقلم: الناقد حسن غريب تمهيد:  الشعر حين يختبئ في التفاصيل يأتي الشعر الحقيقي غالبًا من المناطق الصامتة في الحياة؛ من تلك اللحظات الصغيرة التي تمر بنا دون ضجيج، لكنها تترك أثرًا عميقًا في الروح.  ومن هذا الأفق الإنساني تنبثق تجربة ديوان "ما نُخبِّئه في عُلَبِ سجائرنا الفارغة"، حيث تتأسس القصيدة على التقاط التفاصيل اليومية البسيطة وتحويلها إلى إشارات رمزية تكشف عن أسئلة الوجود الإنساني في زمن المدينة الحديثة. فالقصائد في هذا الديوان لا تتكئ على الخطابية أو البلاغة التقليدية، بل تعتمد على حساسية شعرية تلتقط ما يبدو عابرًا أو مهمَّشًا في الحياة اليومية: الأشياء الصغيرة، الذكريات المنسية، لحظات الوحدة، وتحوّلات العلاقات الإنسانية.  وهكذا تصبح القصيدة مساحة للتأمل في الإنسان المعاصر، ذلك الكائن الذي يعيش وسط ضجيج العالم لكنه يحمل في داخله فراغًا متسعًا. ومن خلال عناوين القصائد المتنوعة مثل "مداءات السرور"، و"سيدة المدينة العتيق...

حينُ يصمتُ العيد: مرثيةُ الفرح في زمنِ الجراح

صورة
  حينُ يصمتُ العيد: مرثيةُ الفرح في زمنِ الجراح حسن غريب  ناقد باحث مصري   في هذه القصيدة للشاعر عمار محمد اغضيب، لا يأتي العيد بوصفه مناسبةً للبهجة، بل يتحول إلى كائنٍ مُلتبسٍ، مُثقلٍ بالأسى، حتى ليبدو وكأنه غريبٌ عن الوجدان الجمعي. النص منذ عنوانه "كلُّ التهاني صمتتْ" يعلن موقفًا شعوريًا حاسمًا: نحن أمام لحظة انقطاعٍ عاطفي، حيث تفشل اللغة الاحتفالية في أداء وظيفتها، ويغدو الصمت أبلغ من كل تهنئة. يبدأ الشاعر بحركة نفسية لافتة: “نهفوا إلى الأعياد لو عصفتْ / ريحٌ من الأحزان تمقتنا” هنا يُصوِّر الإنسان في حال توقٍ دائم إلى العيد، حتى لو جاء في سياق الألم.  هذا "النهف" يحمل شحنة إنسانية صادقة، إذ يُجسد الحاجة الفطرية إلى الخلاص، إلى لحظةٍ رمزية تُعيد ترميم الداخل المنكسر.  غير أن الشاعر لا يلبث أن يُقوِّض هذا الأمل، حين يجعل العيد ذاته فاقدًا لجوهره. يتصاعد البناء النفسي للنص عبر مفارقة دقيقة بين الرجاء وخيبة الرجاء: “لَرُبَّما قادَ الرجا أملاً / لنستقي منه الوفا زمنا” لكن هذا الأمل يظل معلقًا، غير متحقق، إذ سرعان ما ينكسر على صخرة الواقع: “لكنَّ عيداً صرتُ أجهلهُ”...

حين تتحوّل الصورة إلى وطنٍ مفقود: قراءة في عزلة الذاكرة وافتتان اللحظة في “جزيرتهم للأبد” للشاعرة رشا الخطيب

صورة
  حين تتحوّل الصورة إلى وطنٍ مفقود: قراءة في عزلة الذاكرة وافتتان اللحظة في “جزيرتهم للأبد” للشاعرة رشا الخطيب  حسن غريب  ناقد شاعر   في قصيدة “جزيرتهم للأبد” للشاعرة رشا الخطيب، نحن لا نقف أمام نصٍّ يُقرأ بقدر ما ننزلق إلى حالةٍ شعورية كثيفة، تتشابك فيها الذاكرة بالصورة، والغياب بالحضور، والإنسان بذاته الممزقة بين ما كان وما يُعاد تشكيله داخل “لقطة”. منذ الاستهلال: “تميمة تُتلى، قبس ضوء على شريط حساس”، تفتح الشاعرة بابًا رمزيًا واسعًا، تُؤسس فيه لعالمٍ قائم على الفوتوغرافيا بوصفها بديلاً للوجود، لا مجرد توثيق له.  الضوء هنا ليس إنارة، بل استدعاء، والتميمة ليست حماية بقدر ما هي طقس استحضار، وكأن الصورة تُمارس فعل البعث، لا الحفظ فقط.  لذلك تقول: “فالصور جزيرتهم الأبدية وأبجدية البعث”، وهي عبارة تكثّف رؤية النص بأكمله: الصورة كملاذ أخير من الفناء. غير أن هذه “الجزيرة” ليست بريئة، بل مشوبة بانفصال عميق عن الواقع.  فالشاعرة ترصد كيف يتحول الإنسان إلى كائن يعيش داخل الصور، هاربًا من “الفراق، الظلام، والاحتواء”.  المفارقة هنا لافتة: الهروب من الاحتواء ...

حين يعلو الضجيج ويصمت الجوهر

صورة
  حين يعلو الضجيج ويصمت الجوهر: الشعر بين القول عنه والعودة إليه حسن غريب   في زمنٍ يتكاثر فيه الكلام عن الشعر أكثر من الشعر ذاته، تبدو هذه العبارة وكأنها جرس إنذار ثقافي، لا مجرد ملاحظة عابرة.  فنحن لم نعد إزاء أزمة كتابة بقدر ما نحن أمام تضخمٍ في الخطاب المحيط بالشعر، حتى صار هذا الخطاب—في كثير من الأحيان—بديلاً عنه، أو قناعًا يخفي هشاشته. لقد تحوّل الحديث عن الشعر إلى نوعٍ من الترف النظري، أو إلى مساحة استعراض لغوي ونقدي، تُستدعى فيها المصطلحات أكثر مما تُستدعى التجربة.  وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: كلما ابتعدنا عن جوهر الشعر، اقتربنا أكثر من زخرفته الخارجية.  فنجد أنفسنا أمام نصوص نقدية مُثقَلة بالمفاهيم، لكنها تفتقر إلى حرارة السؤال، وإلى ذلك القلق الخلاق الذي هو أصل الشعر وروحه. إن الابتعاد عن "الجوهري والإشكالي"—كما تقول العبارة—ليس مجرد انحراف في الذائقة، بل هو فقدانٌ لبوصلة الشعر ذاته.  فالشعر، في جوهره، ليس تزيينًا للعالم، بل مساءلة له؛ ليس تجميلًا للواقع، بل اختراقًا له. وحين ينشغل الخطاب الشعري بالشكليات والتجميلات، فإنه يُفرغ الشعر من طاقته الكا...

حين تُروى مصر شعراً: البنية الملحمية وتحولات الخطاب في ديوان "الملحمة" للشاعر صلاح يوسف

صورة
  حين تُروى مصر شعراً: البنية الملحمية وتحولات الخطاب في ديوان "الملحمة" للشاعر صلاح يوسف حسن غريب ناقد وباحث مصري استهلال:  حين يتحول الشعر إلى وطن ليست بعض الدواوين مجرد نصوص تُقرأ، بل حالات تُعاش، و"الملحمة" للشاعر صلاح يوسف واحدة من تلك الأعمال التي تتجاوز حدود الشعر إلى فضاء أوسع، حيث يمتزج التاريخ بالوجدان، وتصبح مصر بطلة النص، لا موضوعه فقط. منذ اللحظة الأولى، يضعنا الشاعر أمام رؤية واضحة: الكتابة هنا رسالة، والانحياز للوطن ليس اختيارًا جماليًا فحسب، بل ضرورة وجودية. لذلك لا يكتب الشاعر عن مصر من الخارج، بل من داخلها، كمن ينطق بلسانها ويستعيد ذاكرتها، ويقاوم بها النسيان. أولاً: إشكالية النوع… من الملحمة الكلاسيكية إلى الملحمة الشعبية الحديثة ينتمي الديوان إلى شكل الملحمة، لكنه لا يستعيدها بصيغتها التقليدية القائمة على البطل الفردي والصراع الأسطوري، بل يعيد إنتاجها ضمن سياق حديث، حيث: يغيب البطل الفردي تحضر "مصر" بوصفها بطلاً جمعيًا يتحول الصراع من أسطوري إلى تاريخي/إنساني ومن ثم يمكن النظر إلى هذا العمل بوصفه: ملحمة شعبية حديثة تقوم على التفاعل بين ...