حين يعلو الضجيج ويصمت الجوهر

 حين يعلو الضجيج ويصمت الجوهر: الشعر بين القول عنه والعودة إليه


حسن غريب 



في زمنٍ يتكاثر فيه الكلام عن الشعر أكثر من الشعر ذاته، تبدو هذه العبارة وكأنها جرس إنذار ثقافي، لا مجرد ملاحظة عابرة. 

فنحن لم نعد إزاء أزمة كتابة بقدر ما نحن أمام تضخمٍ في الخطاب المحيط بالشعر، حتى صار هذا الخطاب—في كثير من الأحيان—بديلاً عنه، أو قناعًا يخفي هشاشته.

لقد تحوّل الحديث عن الشعر إلى نوعٍ من الترف النظري، أو إلى مساحة استعراض لغوي ونقدي، تُستدعى فيها المصطلحات أكثر مما تُستدعى التجربة. 

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: كلما ابتعدنا عن جوهر الشعر، اقتربنا أكثر من زخرفته الخارجية. 

فنجد أنفسنا أمام نصوص نقدية مُثقَلة بالمفاهيم، لكنها تفتقر إلى حرارة السؤال، وإلى ذلك القلق الخلاق الذي هو أصل الشعر وروحه.

إن الابتعاد عن "الجوهري والإشكالي"—كما تقول العبارة—ليس مجرد انحراف في الذائقة، بل هو فقدانٌ لبوصلة الشعر ذاته. 

فالشعر، في جوهره، ليس تزيينًا للعالم، بل مساءلة له؛ ليس تجميلًا للواقع، بل اختراقًا له. وحين ينشغل الخطاب الشعري بالشكليات والتجميلات، فإنه يُفرغ الشعر من طاقته الكاشفة، ويحوّله إلى مجرد "منتج لغوي" قابل للاستهلاك، لا إلى تجربة وجودية تهزّ الكيان.

لكن العبارة، في عمقها، لا تستسلم لهذا التشخيص القاتم؛ بل تفتح أفقًا خفيًا للأمل، حين تشير إلى "سياسة لا تخطئ موعدها الشاق والدائم مع الشعر". هذه السياسة ليست مؤسساتية ولا أيديولوجية، بل هي ذلك الإيقاع الداخلي الذي يسكن الكتابة الحقيقية. إنها أشبه بنداءٍ غامض، أو بحدسٍ يقود الشاعر—رغم كل الضجيج—إلى منبعه الأول.

هنا، يصبح الشعر فعل مقاومة صامتة، لا ضد العالم فقط، بل ضد الابتذال الذي يتهدد اللغة ذاتها. 

فـ"الحركة التي تهجع في رحم الكتابة" هي تلك الطاقة الكامنة التي لا تُرى، لكنها تُحَسّ؛ تلك اللحظة التي يتشكل فيها المعنى قبل أن يُقال، ويتوهج فيها الصمت قبل أن ينكسر بالكلمات. 

إنها لحظة ولادة الشعر الحقيقية، التي لا تحتاج إلى إعلان، ولا إلى تنظير.

أما "اليوتوبيا في ليل الذات"، فهي ليست حلمًا مستحيلًا، بل ضرورة وجودية. 

فالشاعر، حين يكتب، لا يسعى إلى تغيير العالم بقدر ما يسعى إلى إعادة تشكيله داخليًا، إلى خلق مساحة نقية داخل هذا الليل الكثيف. 

ومن هنا، تصبح الكتابة ملاذًا، لا هروبًا؛ ومغامرة، لا ترفًا.

وتبلغ العبارة ذروتها في تلك الصورة البديعة: "المحبرة الأكثر تقشفًا وسخاءً، وعرامة في صمتها كذلك". 

فالشعر الحقيقي لا يُقاس بفيض الكلمات، بل بقدرتها على الاقتصاد والتكثيف؛ لا بكثرة ما يقول، بل بعمق ما يتركه غير مُقال. 

إنه تقشف في اللغة، لكنه سخاء في الدلالة؛ صمت في الظاهر، لكنه عرامة في الداخل.

في يوم الشعر العالمي، لا نحتاج إلى مزيد من الحديث عن الشعر، بقدر ما نحتاج إلى العودة إليه.

 إلى الإصغاء لذلك الصوت الخافت الذي لا يُجيد الصراخ، لكنه يملك القدرة على البقاء.

 فالشعر، في النهاية، ليس ما نقوله عنه، بل ما يبقى منا بعد أن نقوله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة