حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة

 حينَ تَكشِفُ المِحنُ زيفَ الصداقات وتُعرّي الوجوه



حسن غريب 


خلال شهر رمضان المبارك، ذلك الشهر الذي تتجلّى فيه معاني الرحمة والتكافل والتراحم، تعرّضتُ لجائحةٍ قاسيةٍ وانتكاسةٍ عنيفةٍ في مسار حياتي، دفعتني دفعًا إلى أن أُعلن عن محنتي عبر مقطعٍ مصوّر، أُخاطب فيه أولًا نقابة اتحاد كتاب مصر، وعلى رأسها الدكتور علاء عبد الهادي، بصفته ومجلس إدارتها الموقّر، الذي أنتمي إليه عضوًا بكل فخر واعتزاز، ثم أتوجّه بعد ذلك إلى كل من شاهد ذلك النداء الإنساني.

وفي هذا المقام، لا يسعني إلا أن أتقدّم بخالص الشكر والامتنان لكل من تواصل معي، وساندني بما استطاع، أو حتى اكتفى باتصالٍ صادقٍ للاطمئنان على حالي، في وقتٍ كنت—ولا أزال—أقف فيه على مفترق طرقٍ بالغ القسوة. لقد كان لكل كلمة طيبة، ولكل موقفٍ إنساني، أثرٌ بالغ في التخفيف من وطأة ما أمرّ به.

كما أُثمّن ما قدّمته النقابة من دعمٍ في حدود إمكاناتها، وهو ما يعكس روح المسؤولية والانتماء، ويؤكد أن المؤسسات، مهما ضاقت بها السبل، تبقى قادرةً على مدّ يد العون لأبنائها.

غير أن ما يبعث على الدهشة، بل على الأسى، هو ذلك الغياب اللافت لآلافٍ يُحسبون ضمن دائرة الأصدقاء؛ أولئك الذين امتلأت بهم قائمة العلاقات، لكنهم خَلَوا من المواقف. أين هم حين تُختبر المعاني؟ وأين تختفي أصواتهم حين يصبح السؤال واجبًا إنسانيًا لا مجاملةً عابرة؟

إن الحياة دولابٌ لا يثبت على حال، يومٌ لك ويومٌ عليك، ولا تدوم لامرئٍ نعمةٌ ولا محنة. وما تكشفه الشدائد ليس جديدًا يُولد، بل حقيقةٌ كانت كامنة، تنتظر لحظة الظهور. فكم من صديقٍ تهاوى عند أول اختبار، وكم من بعيدٍ اقترب حين عزّ القريب.

لقد علّمتني هذه التجربة أن الصداقة ليست عددًا يُحصى، ولا كلماتٍ تُقال، بل موقفٌ يُثبت، ووفاءٌ يُختبر. وأن الشدائد، على قسوتها، تملك فضلًا لا يُنكر، إذ تُسقط الأقنعة، وتُعرّي الزيف، وتُعيد ترتيب الوجوه في الذاكرة كما ينبغي أن تكون.

أما أولئك الذين تزيّنوا بثوب الصداقة وهم في حقيقتهم خواءٌ لا يُعوّل عليه، فحسبهم ما اختاروا لأنفسهم من مواقف، ولهم حسابهم عند الله، يوم تجتمع الخصوم، وتُردّ الحقوق، وتُكشف السرائر.

وفي الختام، لا أملك إلا أن أُجدّد الشكر لكل من ساند وواسى، وأن أتمنى للجميع دوام الصحة والعافية، وأن يجعل الله أيامكم عامرةً بالخير، بعيدةً عن قسوة التجارب، وإن جاءت، فلتكن كاشفةً لا كاسرة. وكل عام وأنتم بخير.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد