حين يصبح الشعر معرفة: محمود درويش وقلق الاكتشاف في اللغة والحياة
حين يصبح الشعر معرفة: محمود درويش وقلق الاكتشاف في اللغة والحياة
حسن غريب
حين نقترب من تجربة محمود درويش لا نكون بإزاء شاعر يكتب فحسب، بل أمام كائنٍ يعيد مساءلة الوجود ذاته عبر اللغة. فشعره ليس انعكاسًا للواقع بقدر ما هو إعادة تشكيل له، حيث تتحول المعرفة من كونها تراكمًا ذهنيًا إلى فعلٍ حيٍّ يتجسد في النص، ويعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والعالم.
منذ البدايات، ارتبطت تجربة درويش بسؤال الهوية، لكن هذا السؤال لم يظل سجين الجغرافيا أو السياسة، بل سرعان ما انفتح على أفق أوسع: سؤال المعرفة. أي: كيف يعرف الإنسان نفسه؟ وكيف يصوغ هذه المعرفة في فعلٍ إبداعي قادر على مقاومة التلاشي؟ هنا، لم يعد الشعر عنده وسيلة تعبير، بل أداة إدراك، أو ما يمكن تسميته "معرفة جمالية"، تتجاوز المباشر إلى التأويلي والرمزي.
لقد أدرك درويش مبكرًا أن المعرفة الحقيقية لا تُقال بل تُبنى. لذلك جاءت قصيدته كمساحة تركيب، لا تقرير. ففي نصوصه، لا نجد إجابات جاهزة، بل شبكة من الأسئلة التي تُربك القارئ وتدفعه إلى المشاركة في إنتاج المعنى. وهنا يتحول القارئ من متلقٍ سلبي إلى فاعل معرفي، يشارك في استكمال النص، وكأن الإبداع عند درويش لا يكتمل إلا عبر هذا التفاعل.
أما الفعل الإبداعي في تجربة درويش، فهو فعل مقاومة بامتياز، لكنه ليس مقاومة مباشرة أو خطابية، بل مقاومة جمالية. لقد حرر الشعر من وظيفته الشعاراتية، ورفعه إلى مستوى الرؤية. فبدل أن يقول "ماذا يجب أن يكون"، صار يسأل: "كيف يمكن أن نرى ما هو كائن؟". ومن هنا، تشكلت قصيدته كفضاء للتوتر بين الواقع والممكن، بين الذاكرة والحلم، بين الحضور والغياب.
في أعماله المتأخرة، تتعمق هذه الرؤية، حيث يتحول درويش من شاعر القضية إلى شاعر الوجود. لم يعد الوطن مجرد مكان، بل صار سؤالًا فلسفيًا: هل الوطن ما نملكه أم ما نفتقده؟ وهل المعرفة هي ما نعرفه أم ما نشعر بعجزنا عن إدراكه؟ هذه الأسئلة تكشف أن درويش لم يكن يسعى إلى امتلاك الحقيقة، بل إلى ملامستها عبر اللغة.
إن العلاقة بين المعرفة والإبداع عند درويش علاقة جدلية؛ فالمعرفة تُغذي الإبداع، والإبداع يعيد إنتاج المعرفة في صورة أكثر إنسانية وعمقًا. ومن هنا، فإن قصيدته ليست فقط نصًا جماليًا، بل تجربة وجودية، تُعيد ترتيب العالم داخل اللغة، وتمنح الإنسان إمكانية أن يرى ذاته بشكلٍ جديد.
وإذا كان بعض الشعراء يكتبون ليقولوا ما يعرفون، فإن درويش يكتب ليعرف. وهذه المفارقة هي جوهر مشروعه الإبداعي؛ فالشعر عنده ليس نتيجة معرفة، بل وسيلة للوصول إليها. إنه رحلة مفتوحة، لا تنتهي عند نص، ولا تستقر عند معنى.
في النهاية، يمكن القول إن تجربة محمود درويش تمثل نموذجًا فريدًا لتداخل المعرفة بالفعل الإبداعي، حيث يصبح الشعر أفقًا للتفكير، ومجالًا لإعادة اكتشاف الإنسان. إنه لا يكتب الحياة كما هي، بل كما ينبغي أن تُفهم: بوصفها سؤالًا دائمًا، لا إجابة نهائية له.

تعليقات
إرسال تعليق