حين تتحوّل الصورة إلى وطنٍ مفقود: قراءة في عزلة الذاكرة وافتتان اللحظة في “جزيرتهم للأبد” للشاعرة رشا الخطيب


 حين تتحوّل الصورة إلى وطنٍ مفقود: قراءة في عزلة الذاكرة وافتتان اللحظة في “جزيرتهم للأبد” للشاعرة رشا الخطيب 


حسن غريب 

ناقد شاعر 


في قصيدة “جزيرتهم للأبد” للشاعرة رشا الخطيب، نحن لا نقف أمام نصٍّ يُقرأ بقدر ما ننزلق إلى حالةٍ شعورية كثيفة، تتشابك فيها الذاكرة بالصورة، والغياب بالحضور، والإنسان بذاته الممزقة بين ما كان وما يُعاد تشكيله داخل “لقطة”.

منذ الاستهلال: “تميمة تُتلى، قبس ضوء على شريط حساس”، تفتح الشاعرة بابًا رمزيًا واسعًا، تُؤسس فيه لعالمٍ قائم على الفوتوغرافيا بوصفها بديلاً للوجود، لا مجرد توثيق له. 

الضوء هنا ليس إنارة، بل استدعاء، والتميمة ليست حماية بقدر ما هي طقس استحضار، وكأن الصورة تُمارس فعل البعث، لا الحفظ فقط. 

لذلك تقول: “فالصور جزيرتهم الأبدية وأبجدية البعث”، وهي عبارة تكثّف رؤية النص بأكمله: الصورة كملاذ أخير من الفناء.

غير أن هذه “الجزيرة” ليست بريئة، بل مشوبة بانفصال عميق عن الواقع. 

فالشاعرة ترصد كيف يتحول الإنسان إلى كائن يعيش داخل الصور، هاربًا من “الفراق، الظلام، والاحتواء”. 

المفارقة هنا لافتة: الهروب من الاحتواء نفسه، أي من العلاقات التي قد تقيّد الذات، مما يشي بحساسية مفرطة تجاه القرب الإنساني، وكأن الصورة أكثر أمانًا من البشر.

على المستوى الرمزي، تستدعي الشاعرة صورًا ذات طابع كوني: “معارك طواحين الهواء”، “حلم البحارة”، وهي إشارات إلى عبثية الصراع الإنساني (في الأولى) ورغبة الاكتشاف والانفلات (في الثانية).

 لكن هذه الرموز لا تُستثمر كمرجعيات خارجية، بل تُذاب داخل التجربة الذاتية، فتغدو جزءًا من نسيج داخلي مضطرب.

اللافت في بنية النص هو هذا التداخل بين “الأنا” و”الآخر”، حيث يتحول الجسد إلى مساحة التقاء: “فتتعانق فضاءات المساحة بجسدي وجسدك”. هنا تذوب الحدود الفيزيائية، ويتحوّل الجسد إلى حاملٍ دلالي، لا بيولوجي.

 إنها علاقة لا تقوم على التلامس الواقعي، بل على ظلاله: “كظلال مجموعة من التفاصيل”. 

أي أننا أمام حبٍّ مُؤجَّل، أو مُتخيَّل، أو ربما مُستعاد من ذاكرة الصورة.

وتبلغ القصيدة ذروتها الدلالية في مقطع “البازل”، حيث تقول: “بتلامس قلبي تلك القطعة الأخيرة للعبة البازل، تكتمل كلمة السر للبوابة”.

 هذا الاكتمال ليس خلاصًا، بل سقوطًا: “دافعين بي لأعمق بئر”. 

وهنا تتجلى رؤية مأساوية: كل اكتمال يقود إلى هاوية، وكل كشف يفضي إلى عتمة أعمق.

 إنها مفارقة المعرفة المؤلمة.

كما تُكثّف الشاعرة حضور الصمت بوصفه قوة قاهرة: “جيوش من الصمت تعزلنا”.

 الصمت هنا ليس غياب الكلام، بل بنية قمعية، جدار غير مرئي يفصل الذات عن الزمن (الشيخوخة) وعن الامتداد الطبيعي للحياة. 

وهذا ما يعمّق الإحساس بالعزلة الوجودية.

وفي مقاطع لاحقة، تدخل القصيدة إلى نقد ضمني لعالم الصورة الحديثة، حيث “الفلاشات” و”الابتسام” يتحولان إلى طقوس زائفة: “كلمة ابتسموا طقوس سحر ولعنة لا تسقط بالتقادم”.

 هنا تتجاوز الشاعرة البعد الذاتي إلى مساءلة ثقافة كاملة تُعيد إنتاج الإنسان كقناع، كـ”نقطة” داخل مشهد أكبر، لا ككائن حي.

وتصل القصيدة إلى أسئلة وجودية صادمة:

“أويمكن أن نتحول لودائع بحسابات البنوك؟”

وهو سؤال يختزل اغتراب الإنسان المعاصر، الذي يُختزل إلى رقم، إلى قيمة مادية، إلى شيء قابل للأرشفة لا للعيش.

أما الخاتمة، فهي من أكثر المقاطع كثافة إنسانية، حيث تنكمش الذات بين “البارحة والغد”، بين شعورين متناقضين في آنٍ واحد. هذا الانقسام هو جوهر التجربة الشعرية هنا: لا يقين، لا استقرار، بل اهتزاز دائم بين الحضور والغياب، بين الحياة المؤجلة والحياة المُصوَّرة.

فنيًا، تعتمد الشاعرة على:

لغة كثيفة مشحونة بالانزياحات الدلالية.

صور مركّبة تميل إلى التشظي، لكنها تحافظ على خيط داخلي من الوحدة.

توظيف ذكي للمعجم البصري (الصورة، الفلاش، البراويز، الفوتوغرافيا).

إيقاع داخلي قائم على التكرار والتوازي أكثر من الوزن التقليدي.

خلاصة القول: هذه القصيدة ليست عن الصور بقدر ما هي عن فقدان القدرة على العيش خارجها.

 إنها نصٌّ يفضح هشاشة الإنسان حين يستبدل الذاكرة الحيّة بذاكرة مُجمّدة، ويستبدل التجربة بالتمثيل. 

وفي هذا، تنجح رشا الخطيب في كتابة نصٍّ يوجع القارئ بقدر ما يدهشه، لأنه يعيد طرح سؤال بسيط في ظاهره، عميق في جوهره:

هل ما نعيشه حقًا… أم ما نحتفظ به منه فقط؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة