مصر ليست خامساً بل أصل الحكاية

 مصر ليست هامشًا… بل أصل الحكاية


حسن غريب 



ليست هذه المرة الأولى التي تخرج فيها أصوات مأزومة، مأخوذة بوهم التفوق اللحظي، لتتطاول على دولة بحجم مصر، ولا أظنها ستكون الأخيرة. فالتاريخ علّمنا أن من يجهل الجغرافيا، يسيء قراءة الحاضر، ومن يجهل التاريخ، يسيء الأدب مع الكبار.

مصر، التي يحاول البعض اختزالها في أرقام ديون أو أزمات اقتصادية عابرة، هي ذاتها الدولة التي صنعت معنى الدولة في منطقتنا، ورسّخت مفهوم الاستقرار حين كانت المنطقة تموج بالفوضى. ليست مصر دولة هامشية كما يزعم قائل جاهل، بل هي قلب العروبة النابض، ومركز ثقلها السياسي والثقافي والحضاري منذ آلاف السنين.

أما الحديث عن الديون، فهو طرح سطحي يفتقر إلى الفهم الاقتصادي والسياسي معًا. فالدول الكبرى، شرقًا وغربًا، تقوم اقتصادياتها على أدوات التمويل والدين والاستثمار، وليس ذلك عيبًا في حد ذاته، بل هو جزء من إدارة الاقتصاد الحديث. الفرق الحقيقي ليس في وجود الدين، بل في قدرة الدولة على إدارة مواردها، ومكانتها التي تتيح لها النهوض رغم التحديات. ومصر، رغم كل الضغوط، لا تزال واقفة، تتحرك، تبني، وتؤثر.

ثم إن من يختزل علاقة مصر بدول الخليج في معادلة "اديني أو أغير ديني"، إنما يكشف عن فهم ضيق للعلاقات العربية، التي قامت — في أفضل لحظاتها — على التكامل لا الابتزاز، وعلى المصير المشترك لا المساومات الرخيصة. مصر لم تكن يومًا تابعًا، ولن تكون. ومن يقرأ التاريخ يدرك أن استقرار المنطقة كان دائمًا يمر عبر بوابة القاهرة، وأن اختلال ميزانها ينعكس على الجميع دون استثناء.

المفارقة أن من يهاجم مصر اليوم، يفعل ذلك من موقع لم يكن ليكتسب قيمته لولا محيطه العربي، الذي كانت مصر — ولا تزال — أحد أعمدته الكبرى. فالتاريخ لا يُمحى بتغريدة، ولا تُقاس الدول بعبارات عابرة، ولا يُختزل شعب بحجم شعب مصر في رأي عابر أو تصريح متعجل.

إن الدفاع عن مصر ليس تعصبًا، بل وعي بحجمها الحقيقي. هو إدراك أن هذه الدولة، رغم ما تمر به، أكبر من أزماتها، وأعمق من محاولات التشويه، وأبقى من كل الأصوات الطارئة.

وفي النهاية، قد يعلو صوت الضجيج لحظة، لكنه سرعان ما يخفت أمام صلابة الحقائق. ومصر… كانت وستظل حقيقة لا تقبل التقزيم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة