سقوط القلم حين يتوهم الضجيج بطولة: تفكيك خطاب فؤاد الهاشم

 سقوط القلم حين يتوهم الضجيج بطولة: تفكيك خطاب فؤاد الهاشم


حسن غريب


كاتب روائي مصري 


في لحظةٍ يختلط فيها الصوت بالضجيج، ويُستبدل فيها المعنى بالإثارة، يخرج علينا خطابٌ لا يمكن وصفه إلا بأنه نموذج صارخ لانحدار الكلمة حين تفقد بوصلتها الأخلاقية. هنا لا نتحدث عن اختلاف في الرأي، بل عن خطاب يتعمد الإساءة، ويُصرّ على تحويل الكتابة إلى ساحة للابتذال. ولعل ما صدر عن فؤاد الهاشم يقدّم مثالًا مكثفًا لهذا السقوط.

ليس من الصعب أن يكتب المرء جملة صادمة، أو أن يثير عاصفة من الجدل، لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في أن يكون لما يُكتب قيمة. وهنا تحديدًا تتكشف الأزمة: خطاب يقوم على الاستفزاز كغاية، وعلى التعميم كأداة، وعلى السخرية كبديل للفكرة. إنه خطاب لا ينتقد بقدر ما يهين، ولا يحاور بقدر ما يهاجم، وكأن صاحبه لم يعد يملك سوى هذه الأدوات الباهتة لفرض حضوره.

إن ما يثير الدهشة ليس مضمون الإساءة في حد ذاته، بل هذا الإصرار على إعادة إنتاجها بوصفها "رأيًا". فالرأي، في جوهره، موقفٌ يُبنى على حجة، أما ما نراه هنا فهو انفعالٌ يتخفى في ثوب الكتابة. وبين الحجة والانفعال مسافة لا يدركها إلا من امتلك حدًا أدنى من الوعي النقدي.

الأخطر من ذلك أن هذا النمط من الخطاب يراهن على ذاكرة قصيرة، وعلى جمهور يُستهلك فيه الغضب سريعًا، ثم يُنسى كل شيء. لكنه يغفل أن الكلمة، مهما بدت عابرة، تترك أثرًا، وأن الإساءة حين تتكرر تتحول إلى سلوك، وحين تُبرر تصبح منهجًا. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية: تطبيع الانحدار بوصفه جرأة.

ليست مصر، ولا أي شعب، في موضع اختبار أمام مثل هذه الأصوات، بل إن هذه الأصوات هي التي تُختبر في كل مرة تتورط فيها في هذا النوع من الخطاب. فالتاريخ لا يحتفظ بالضجيج، بل يحتفظ بما يضيف إلى الوعي، لا بما يسيء إليه. وبين كاتب يراهن على الإثارة، وآخر يراهن على المعنى، تُحسم القيمة لا بالتصفيق اللحظي، بل بالبقاء.

إن أخلاقيات الكتابة ليست ترفًا، بل شرطًا لوجودها. ومن يفقد هذا الشرط، يفقد حقه في أن يُؤخذ على محمل الجد، مهما ارتفع صوته. فالكتابة التي لا تحترم الإنسان، لا تستحق أن تُحترم، والحرية التي لا تضبطها مسؤولية، تتحول سريعًا إلى فوضى.

في النهاية، لا تبدو هذه الواقعة مجرد زلة قلم، بل انعكاسًا لعقلية ترى في الاستفزاز وسيلة، وفي الإساءة طريقًا مختصرًا للشهرة. لكنها شهرة من نوع رخيص، لا تصمد أمام اختبار الزمن، ولا تترك خلفها سوى ضجيجٍ سرعان ما يتبدد، تاركًا صاحبه في مواجهة فراغه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة