حين لا نتأقلم بل نتعود
حين لا نتأقلم… بل نتعوّد: سيرة الصمت في مواجهة الفقد
حسن غريب
ليست كل الأسئلة بريئة، ولا كل الإجابات قابلة للاختزال في كلمات قليلة. حين يُسأل الإنسان: “كيف تأقلمت؟” يبدو السؤال وكأنه يفترض مسبقًا اكتمال عملية داخلية، نضجًا ما، أو عبورًا هادئًا من الألم إلى الطمأنينة. غير أن الحقيقة، في كثير من الأحيان، أكثر قسوة وتعقيدًا؛ إذ لا يكون ما حدث تأقلمًا بقدر ما هو نوع من التعايش القسري، أو ما يمكن تسميته بـ"اعتياد الجرح".
الفرق بين التأقلم والتعوّد ليس فارقًا لغويًا فحسب، بل هو فرق وجودي عميق. التأقلم يفترض نوعًا من التفاعل الإيجابي مع الواقع، نوعًا من إعادة تشكيل الذات لتنسجم مع المتغيرات. أما التعوّد، فهو حالة من التبلّد التدريجي، حيث لا يختفي الألم، بل يتوارى في الخلفية، يتحول إلى جزء من المشهد الداخلي، لا يُرى دائمًا، لكنه لا يغيب أبدًا.
حين يقول القائل: “لم أتأقلم أبداً، فقط أنا تعودت”، فهو لا يعلن ضعفًا، بل يكشف عن درجة عالية من الوعي بما جرى له. هو لا يدّعي الشفاء، ولا يتزيّن بقناع القوة الزائفة، بل يعترف بأن ما بداخله لم يُحلّ، بل تمّ تأجيله، أو بالأحرى: تمّ التعايش معه كقدر يومي.
الفراغ الذي يتركه الراحلون — أياً كانت طبيعة رحيلهم — ليس فراغًا يُملأ بسهولة. إنه فراغ نوعي، لا يُقاس بعدد الأشخاص الذين يمكن أن يأتوا لاحقًا، ولا بكمّ الضجيج الذي قد يحيط بنا. إنه فراغ له شكل محدد، وملامح خاصة، لا يطابقه شيء. لذلك فإن الاعتياد عليه لا يعني تجاوزه، بل يعني فقط أننا تعلمنا كيف نتحرك حوله دون أن نسقط فيه كل مرة.
الأحاديث المبتورة، تلك التي تبدأ ولا تكتمل، ليست مجرد مواقف عابرة، بل هي انعكاس لحالة داخلية من الانقطاع. الإنسان الذي تعوّد على الغياب، يفقد تدريجيًا قدرته على الاسترسال، على الثقة في استمرارية اللحظة. يصبح كل شيء مؤقتًا، هشًا، قابلًا للانكسار في أي لحظة. حتى الضحك، ذلك الفعل البسيط، يفقد اكتماله، فيخرج ناقصًا، مشوبًا بشيء من الحذر أو الذكرى أو الخيبة.
أما الغُصّة التي “لا تذهب أبداً”، فهي ليست عرضًا طارئًا، بل حالة مستقرة. إنها تعبير مكثف عن ذاكرة الألم التي لم تجد طريقها إلى التفريغ الكامل. ومع مرور الزمن، لا تختفي هذه الغُصّة، بل تتجذر، وتتحول إلى جزء من البنية الشعورية للإنسان. قد تخفت أحيانًا، لكنها تعود عند أول استدعاء، عند أول ذكرى، أو حتى دون سبب واضح.
في مثل هذه الحالات، يتعلم الإنسان مهارات خفية، لا تُدرّس في كتب، ولا تُرى بالعين المجردة. يتعلم كيف يصمت حين يكون الكلام بلا جدوى، لا لأنه لا يملك ما يقوله، بل لأنه أدرك أن بعض الكلمات لا تُحدث فرقًا. يتعلم كيف يبتسم وهو منهك، ليس خداعًا للآخرين بقدر ما هو محاولة للحفاظ على توازن هش. ويتعلم، ربما الأهم، كيف يبدو قويًا، لا لأنه كذلك فعلًا، بل لأنه لم يعد يملك رفاهية الانهيار.
هذه القوة الظاهرية ليست دائمًا علامة على الصلابة، بل قد تكون، في جوهرها، شكلًا من أشكال الدفاع. الإنسان هنا لا يقف لأنه متماسك، بل لأنه لا يملك خيار السقوط. الصبر الذي يتحدث عنه ليس فضيلة مكتسبة بقدر ما هو ضرورة مفروضة. إنه صبر من لا يجد بديلًا، من لا يملك ترف التوقف أو الانسحاب.
ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى هذا الوضع بوصفه حالة سلبية خالصة. ففي هذا التعوّد القاسي، تتشكل أيضًا قدرة استثنائية على الاحتمال، وعلى قراءة الحياة بعمق أكبر. الإنسان الذي مرّ بهذه التجربة لا يعود ساذجًا في نظرته للأشياء، ولا سطحيًا في فهمه للعلاقات. هو يدرك هشاشة كل شيء، لكنه ، يصبح أكثر تمسكًا بما يستحق.
إن الاعتراف بعدم التأقلم هو، في حد ذاته، خطوة نحو الصدق مع الذات. وهو صدق نادر في زمن يميل إلى تزييف المشاعر وتسويق القوة الزائفة. هذا الاعتراف لا يعني الاستسلام، بل يعني رفض الكذب على النفس، ورفض اختزال التجربة الإنسانية في شعارات جاهزة عن التعافي السريع والعبور السلس.
في النهاية، قد لا نتأقلم مع كل ما يحدث لنا، وقد لا نُشفى من كل ما يؤلمنا. لكننا نتعلم — شئنا أم أبينا — كيف نواصل السير. لا لأن الطريق أصبح أسهل، بل لأن التوقف لم يعد خيارًا. وبين التأقلم والتعوّد، تتشكل تلك المساحة الرمادية التي يعيش فيها كثيرون بصمت، حيث تستمر الحياة، لا كما نريد، بل كما يمكننا أن نحتمل.

تعليقات
إرسال تعليق