حينُ يصمتُ العيد: مرثيةُ الفرح في زمنِ الجراح
حينُ يصمتُ العيد: مرثيةُ الفرح في زمنِ الجراح
حسن غريب
ناقد باحث مصري
في هذه القصيدة للشاعر عمار محمد اغضيب، لا يأتي العيد بوصفه مناسبةً للبهجة، بل يتحول إلى كائنٍ مُلتبسٍ، مُثقلٍ بالأسى، حتى ليبدو وكأنه غريبٌ عن الوجدان الجمعي. النص منذ عنوانه "كلُّ التهاني صمتتْ" يعلن موقفًا شعوريًا حاسمًا: نحن أمام لحظة انقطاعٍ عاطفي، حيث تفشل اللغة الاحتفالية في أداء وظيفتها، ويغدو الصمت أبلغ من كل تهنئة.
يبدأ الشاعر بحركة نفسية لافتة:
“نهفوا إلى الأعياد لو عصفتْ / ريحٌ من الأحزان تمقتنا”
هنا يُصوِّر الإنسان في حال توقٍ دائم إلى العيد، حتى لو جاء في سياق الألم.
هذا "النهف" يحمل شحنة إنسانية صادقة، إذ يُجسد الحاجة الفطرية إلى الخلاص، إلى لحظةٍ رمزية تُعيد ترميم الداخل المنكسر.
غير أن الشاعر لا يلبث أن يُقوِّض هذا الأمل، حين يجعل العيد ذاته فاقدًا لجوهره.
يتصاعد البناء النفسي للنص عبر مفارقة دقيقة بين الرجاء وخيبة الرجاء:
“لَرُبَّما قادَ الرجا أملاً / لنستقي منه الوفا زمنا”
لكن هذا الأمل يظل معلقًا، غير متحقق، إذ سرعان ما ينكسر على صخرة الواقع:
“لكنَّ عيداً صرتُ أجهلهُ”
وهنا تبلغ القصيدة ذروة التحول: العيد لم يعد فقط غائبًا، بل صار مجهول الهوية، منزوع المعنى.
اللافت في النص هو انتقاله الذكي من الذاتي إلى الجمعي، ومن الشعور الفردي إلى الهمّ القومي.
فاستدعاء الشاعر لرموز تاريخية:
“عادت قريش إذن؟ / فخندقاً خطَّ الرسول لنا!!”
ليس مجرد تزيين بلاغي، بل هو توظيف دلالي عميق، يربط بين الماضي والحاضر، ويستحضر لحظة دفاع وجودي في التاريخ الإسلامي، ليقول ضمنيًا: إن ما نعيشه اليوم ليس أقل خطرًا، بل ربما هو امتداد لذلك الصراع، لكن دون يقين النصر ذاته.
وتتجلى قوة النص في صوره التي تمزج بين الحسّ البصري والنفسي:
“سالت دماءٌ أسفرت وضحاً / يمحي نهاراً يحمل الوسنا”
صورة مركبة تُحوّل الدم إلى ضوء كاشف، لكنه ضوء مأساوي، يفضح الواقع بدل أن يجمّله. النهار هنا لا يبعث الحياة، بل يمحوها، وكأن الزمن نفسه متواطئ مع الألم.
في المقطع الأخير، يصل الشاعر إلى خلاصة وجدانية مكثفة:
“عن أي عيدٍ أنت تسألني / صوت الوغى فينا هو اقترنا”
الاستفهام هنا ليس طلبًا للإجابة، بل هو إنكار وجودي، يعكس قطيعة تامة مع فكرة العيد. فالضجيج الذي يملأ الداخل ليس ضجيج الفرح، بل صخب الحرب.
ثم تأتي الضربة الختامية:
“يا إخوةً في الله قد صمتتْ / كل التهاني إن الهوى حزنا”
هنا يعود العنوان ليكتمل دلاليًا، فالصمت لم يعد مجرد حالة، بل نتيجة حتمية لهيمنة الحزن. وكأن الشاعر يقول: حين يفيض الألم، تعجز اللغة، ويصبح الصمت هو اللغة الوحيدة الممكنة.
وفي خلاصة رؤيتي النقدية أقول:
هذه القصيدة تنجح في تحويل العيد من زمنٍ احتفالي إلى مرآةٍ للألم الجمعي، عبر لغةٍ مشحونة بالصدق، وصورٍ تنبض بالحياة رغم قتامة دلالاتها.
إنها ليست رثاءً للفرح فحسب، بل إدانة لواقعٍ جعل الفرح نفسه ترفًا مستحيلاً. النص يكتب من قلب التجربة، لا من هامشها، ولذلك يصل إلى المتلقي بعمقٍ إنسانيٍّ خالص، بعيدًا عن الزخرف اللفظي، وقريبًا من نبض الإنسان المكسور وهو يحاول أن يتذكر: كيف كان الفرح؟

تعليقات
إرسال تعليق