عندما تتكلم الحروب… تُنقذنا فيروز بصمتها الغنائي
عندما تتكلم الحروب… تُنقذنا فيروز بصمتها الغنائي
حسن غريب
في كل مرة تتكاثر فيها صور الخراب، وتتزاحم أصوات المدافع مع أنين البشر، نبحث – بوعي أو بدونه – عن ملاذٍ يحمينا من الانكسار الداخلي. وحين تضيق اللغة عن التعبير، ويخوننا الواقع، نعود إلى صوتٍ قديمٍ لا يشيخ… نعود إلى فيروز.
ولمَ لا؟
وهي التي لم تكن يومًا مجرد مطربة، بل حالة وجدانية كاملة، وصوتًا يتجاوز الجغرافيا والسياسة، ليقيم في مساحة أعمق: مساحة الإنسان حين يكون هشًّا، خائفًا، ومحتاجًا إلى عزاء لا يُشبه الخطب ولا الشعارات.
إن صوت فيروز لم يولد في زمن الحرب، بل سبقها، وكأنه خُلق ليكون نقيضها. في زمنٍ كانت فيه المدن تُبنى على مهل، والأحلام تُنسج بهدوء، خرج صوتها ليقول إن الحياة ممكنة، وإن الجمال ليس ترفًا بل ضرورة. وحين جاءت الحروب، لم ينكسر هذا الصوت، بل صار أكثر حاجةً، وأكثر حضورًا.
في لحظات الخوف الأولى، حين ترتجف القلوب وتضيع المعاني، لا نلجأ إلى التحليل ولا إلى الأخبار، بل إلى شيءٍ يشبه الطمأنينة الأولى. هناك، في أغنيةٍ لفيروز، نجد أنفسنا كما كنّا قبل أن يعلّمنا العالم القسوة. نجد بيوتًا لم تهدمها القذائف، وطرقاتٍ لم تبتلعها الدبابات، وقلوبًا لم تُثقلها الخيبات.
ليست فيروز صوت الهروب من الواقع، بل صوت مقاومته بطريقة أخرى. إنها لا ترفع شعارات الحرب ولا تصرخ ضدها، لكنها تفعل ما هو أعمق: تذكّرنا بما نحارب من أجله أصلًا… بالحياة التي تستحق أن تُعاش، بالحب الذي لم يمت، وبالطفولة التي تختبئ فينا رغم كل شيء.
وحين يشتدّ القبح، يصبح الجمال فعلًا أخلاقيًا. وهنا تحديدًا تتجلى قيمة فيروز؛ فهي لا تُغنّي للسلام بوصفه فكرة، بل تجعله إحساسًا ملموسًا. صوتها لا يوقف الحرب، لكنه يمنعها من أن تقتل إنسانيتنا بالكامل.
نعود إليها لأننا نريد أن ننجو من الداخل، حتى لو لم نستطع النجاة من الخارج. نعود إليها لأن في صوتها وعدًا خفيًا بأن هذا الليل، مهما طال، ليس أبديًا. وأن المدن التي تُدمّر اليوم، يمكن أن تُغنّى لها غدًا من جديد.
في النهاية، ليست فيروز مجرد ذكرى جميلة من زمنٍ مضى، بل ضرورة إنسانية في كل زمنٍ مضطرب. هي الصوت الذي نتمسّك به كي لا نسقط تمامًا، والنافذة التي نطلّ منها على عالمٍ أقل قسوة، وأكثر رحمة.
لهذا، عند كل حرب…
لا نملك إلا أن نعود.

تعليقات
إرسال تعليق