أتى العيد الذي يفضح القلوب
أتى العيد الذي يفضح القلوب
حسن غريب
ليس كل صمتٍ بريئًا…
ففي الأعياد تحديدًا، يصبح الصمت موقفًا، ويغدو التجاهل رسالةً واضحة لا تحتاج إلى تفسير.
قال أبو الطيب المتنبي:
«عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ / بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديدُ»
لكن السؤال اليوم لم يعد موجهًا إلى العيد، بل إلى القلوب التي تخلّت عن أبسط واجباتها الإنسانية، ثم مضت وكأن شيئًا لم يكن.
أيُّ عيدٍ هذا الذي يمرّ،
ولا يكلّف فيه أخٌ نفسه رسالة؟
ولا يسأل قريبٌ عن قريب؟
ولا يتذكر إنسانٌ إنسانًا، إلا إذا اقتضت مصلحته؟
ليست المشكلة في تهنئة غابت،
بل في مشاعر انطفأت،
وفي روابط كانت يومًا تُسمى “عائلة”، ثم تآكلت حتى صارت مجرد أسماء بلا دفء.
هناك خذلانٌ عابر…
وهناك خذلانٌ يُعيد ترتيب كل شيء في داخلك.
خذلان يجعلك تدرك فجأة أنك كنت ترى ما لا يرونه، وتمنح ما لا يقدّرونه، وتنتظر ممن لا يعرفون أصلًا معنى الانتظار.
الأقسى أن يأتي هذا كله من “الدائرة الأولى”:
من إخوة، من أبناء دم، من وجوهٍ يفترض أنها الأقرب، فإذا بها الأبعد حين تحتاجها.
وهنا، لا يعود الصمت حيادًا، بل يصبح موقفًا فاضحًا:
فضيحة برود،
وفضيحة لا مبالاة،
وفضيحة قلوبٍ اعتادت الأخذ ولم تتعلم يومًا أن تعطي.
بعض الناس لا يؤذونك بما فعلوا،
بل بما لم يفعلوه.
بما كان يجب أن يكون بديهيًا… ولم يكن.
وفي لحظة انكشاف كهذه، يسقط كثير من الأقنعة دفعةً واحدة.
تتعرّى العلاقات من أوهامها، وتظهر على حقيقتها:
علاقات هشة، قائمة على العادة لا المحبة، وعلى القرب الشكلي لا الإحساس الحقيقي.
ومع ذلك…
ليس كل انكشاف خسارة.
أحيانًا، يكون التجاهل هدية قاسية،
لكنه صادقة.
يعلمك من تضعه في قلبك، ومن تضعه على الهامش،
ومن لا تضعه في أي مكان بعد اليوم.
تفويض الأمر إلى الله هنا ليس ضعفًا،
بل موقف أخلاقي رفيع:
أن تترك الحكم لمن لا يظلم،
وأن تترفع عن صغائر لا تليق بك،
حتى وإن وجعتك.
العيد لم يتغير…
الذين تغيّروا هم الناس.
ولهذا، فالسؤال لم يعد: بأي حالٍ عاد العيد؟
بل: بأي حالٍ صارت القلوب؟
وهنا فقط،
نعرف أن بعض الأعياد لا تأتي لتفرحنا…
بل لتكشف لنا الحقيقة.

تعليقات
إرسال تعليق