بين الجفاف والتدفق في أسرار الكتابة وندرتها

 بين الجفاف والتدفّق: أسرار غزارة الكتابة وشحّها

حسن غريب 


ليست الكتابة نهرًا دائم الجريان، ولا هي صحراء قاحلة على الدوام؛ إنها حالة وجودية مركّبة، تتأرجح بين الامتلاء والفراغ، بين الدفق والانحباس. ولعلّ السؤال الأكثر إلحاحًا لدى الكُتّاب، قديماً وحديثاً، هو: ما الذي يجعل النصوص تتدفق أحيانًا كالسيل، ثم تتمنّع أحيانًا أخرى حتى تكاد الكلمات تختنق في الحلق؟

الحقيقة أن غزارة الكتابة أو شحّها لا تخضع لسبب واحد، بل هي نتيجة تفاعل معقّد بين عوامل نفسية، ومعرفية، وجمالية، بل وحتى وجودية.

أول هذه العوامل هو الامتلاء الداخلي. فالكاتب لا يكتب من فراغ، بل من فائض تجربة أو فكرة أو إحساس. حين تتراكم الخبرات في الداخل، وتبلغ حدّ التوتر، تصبح الكتابة ضرورة، أشبه بانفجار لغوي يطلب مخرجًا. أما حين يفتقر الداخل إلى هذا التوتر الخلّاق، فإن الكتابة تذبل، لا لأن الكاتب عاجز، بل لأنه لم يبلغ بعدُ درجة الاشتعال.

وثانيها الحالة النفسية. فالتوتر، القلق، الحزن، وحتى الفرح، قد تكون وقودًا للكتابة، لكنها في أحيان أخرى تتحول إلى عائق. بعض الكُتّاب يكتبون في ذروة الألم، بينما يحتاج آخرون إلى مسافة من التجربة كي يصوغوها. وهنا تتبدّى المفارقة: الشعور نفسه قد يكون باعثًا أو مانعًا، بحسب طبيعة الكاتب.

أما العامل الثالث فهو الانضباط والوعي بالحرفة. فغزارة الكتابة لا تعني دائمًا جودة، كما أن الشحّ لا يعني عمقًا. هناك من يكتب بغزارة لأنه يمتلك عادة يومية صارمة، وهناك من ينتظر "الإلهام" فلا يكتب إلا نادرًا. بين الاثنين، تتحدد علاقة الكاتب بالكتابة: هل هي فعل إرادي قائم على المران، أم لحظة استثنائية تُنتظر؟

ولا يمكن إغفال العامل المعرفي؛ فكل كتابة هي، في جوهرها، إعادة تركيب لما قرأه الكاتب ووعاه. القارئ الجيد غالبًا ما يكون كاتبًا غزيرًا، لأن مخزونه اللغوي والفكري يمدّه باستمرار. أما الفقر القرائي، فينعكس مباشرة على ضمور الكتابة.

ثم يأتي الخوف، ذلك العامل الخفي الذي كثيرًا ما يُغفل. الخوف من الفشل، من التكرار، من حكم الآخرين، أو حتى من اكتشاف الذات. هذا الخوف قد يشلّ يد الكاتب، فيفضّل الصمت على مواجهة النص. وهنا يصبح شحّ الكتابة ليس نقصًا في القدرة، بل فائضًا في التردد.

وهناك أيضًا اللحظة الجمالية، أو ما يمكن تسميته بـ"الانسجام الداخلي للنص". أحيانًا يرفض النص أن يُكتب لأنه لم يكتمل بعد في وعي صاحبه. الكاتب الحقيقي يشعر أن النص له توقيته الخاص، وأن استعجاله قد يفسده. لذلك، فإن الصمت أحيانًا يكون جزءًا من الكتابة، لا نقيضًا لها.

في ضوء ذلك كله، يمكن القول إن غزارة الكتابة ليست فضيلة في ذاتها، كما أن شحّها ليس نقيصة مطلقة. القيمة الحقيقية تكمن في صدق التجربة، وعمق الرؤية، وقدرة النص على أن يقول ما ينبغي قوله، في اللحظة التي ينبغي أن يُقال فيها.

فالكتابة، في النهاية، ليست سباقًا في عدد الكلمات، بل هي بحث دائم عن المعنى. وحين يغيب المعنى، تجفّ الكلمات، لا عجزًا، بل احترامًا لجوهر الكتابة نفسها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة