حين يتجاوز الفن الإطار بين نبض الإنسان وتسليع الجمال
«حين يتجاوز الفن الإطار: بين نبض الإنسان وتسليع الجمال»
حسن غريب أحمد
الفن ليس مجرد رفاهية بصريّة تُزيّن الجدران، ولا نصوصاً مغلقة داخل المتحف، بل هو كائن حي يتنفس بإحساس الإنسان ويعيش بين قضاياه. حين يتجاوز الفن حدود اللوحة، ينقلب من أداة لإثارة الدهشة إلى فعل عطاء حقيقي، يربط القلوب ويخفف عن الأرواح أثقال الحياة ووطأتها.
الفن كبلسم للروح وجسر للتواصل
تستغني لغة الفن عن الحروف؛ فهي تخاطب الوجدان مباشرة وتصل إلى المساحات الأكثر عمقاً وإيلاماً في النفس البشرية. يمتلك الفن قدرة استثنائية على كسر الحدود الثقافية واللغوية، ليتحول إلى مساحة تتساوى فيها البشرية، ويصبح العمل الإبداعي جسراً للتضامن، يرمم الانكسارات ويصنع الأمل وسط صخب العالم.
صناعة الوهم وتسليع الإمتاع: مفارقة الظلم والقهر
لكن هذا البعد الإنساني الشفيف يصطدم اليوم بواقع مرير يخيم على المشهد المعاصر؛ فقد تحول الفن في كثير من زواياه إلى سوق للتجارة والمضاربات الشرسة، وتمددت هذه الظاهرة لتشمل عالم الرياضة ولاعبي الكرة، حيث تُدفع الملايين والملايين في صفقات خيالية وأجور استعراضية لمجرد تقديم المتعة والبهرجة اللحظية.
وفي المقابل، يقف الإنسان الكادح والعامل الذي يكد في مهن شاقة ومضنية تحت لهيب الشمس وبرد الشتاء، يملأ الدنيا عطاءً عملياً وبناءً حقيقياً، ولا ينال لقاء عرق جبينه إلا بضعة مئات من الجنيهات التي لا تسد رمق الكفاف. إنها مفارقة صارخة تعكس حجم الغبن والظلم الاجتماعي والقهر الإنساني؛ كيف تُسكب أموال أمة كاملة على مجرد لوحة تُباع في مزاد أو لاعب يركل كورة، بينما يُدهس الكادح الحقيقي الذي يحمل الحياة على كاهله؟
إعادة الفن والرياضة إلى جوهرهما
إن المقاربة الإنسانية الحقيقية تقتضي ألا تنفصل الفنون والرياضة عن هموم الشارع وآلام البسطاء. الفن الحقيقي والرياضة النبيلة هما ما ينحازان للإنسان القاطن في ظلال الكدح، ويقفان ضد تحويل الإمتاع إلى تجارة حصرية وطبقية. وحين يخرج الفن من أبراج التجارة العاجية ليرى عيون الكادحين، يثبت أنه ليس مجرد قشرة زينة، بل صوت لمن لا صوت له، وقوة تنحاز للعدالة وتضميد جراح الوجدان.

تعليقات
إرسال تعليق