حين يهان الرمز تمثال أمير الشعراء
حين يُهان الرمز: تمثال أحمد شوقي بين غياب الصيانة وغياب الوعي الثقافي
بقلم: حسن غريب أحمد
ليست صورة تمثال أمير الشعراء أحمد شوقي وقد تراكمت فوق رأسه مخلفات الطيور مجرد صورة عابرة يمكن أن تثير شيئًا من السخرية على منصات التواصل الاجتماعي ثم تنتهي الحكاية بانتهاء موجة الغضب. إن المشهد، في دلالته الأعمق، يتجاوز التمثال ذاته إلى سؤال ثقافي وحضاري شديد الأهمية: كيف نتعامل مع رموزنا حين تتحول ذاكرتنا الثقافية إلى مجرد أسماء وتماثيل واحتفالات، من دون أن تتحول إلى ممارسة يومية من الاحترام والرعاية؟
فالتمثال ليس كتلة من البرونز أو الحجر موضوعة في أحد ميادين القاهرة فحسب، وإنما هو جزء من الذاكرة البصرية للمدينة، وشاهد مادي على علاقة المجتمع برموزه الفكرية والأدبية والفنية. وحين يُترك هذا الشاهد للإهمال، فإن ما يتعرض للتشويه ليس ملامح التمثال وحدها، وإنما المعنى الذي يمثله.
وأحمد شوقي ليس شخصية هامشية في تاريخ الأدب العربي حتى يمكن التعامل مع تمثاله باعتباره قطعة من أثاث الشارع. نحن أمام شاعر احتل موقعًا مركزيًا في تاريخ الشعر العربي الحديث، وحمل لقب أمير الشعراء، وظلت قصيدته حاضرة في الوعي الأدبي والثقافي العربي عبر أجيال متعاقبة.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كنا نحتفي بأحمد شوقي في الكتب والمناهج والندوات والمناسبات الثقافية، فلماذا نعجز عن حمايته في صورته المادية التي تواجه أعين الناس كل يوم؟
التمثال بوصفه ذاكرة
تتعامل المدن الكبرى مع تماثيل أعلامها باعتبارها جزءًا من هويتها البصرية. فالتمثال في الفضاء العام لا يعيش منفصلًا عن المدينة؛ إنه يدخل في تكوين صورتها، ويصبح مع الزمن علامة مكانية وثقافية.
وحين يمر المواطن أمام تمثال شاعر أو مفكر أو فنان، فإن وجوده يذكّره بأن المكان الذي يعيش فيه ليس مجرد شوارع ومبانٍ ومركبات، وإنما هو أيضًا تاريخ متراكم من الأفكار والإبداع والشخصيات التي أسهمت في تشكيل الوعي الجمعي.
لهذا فإن العناية بالتمثال ليست ترفًا جماليًا، وليست مسألة بروتوكولية، بل هي جزء من إدارة الذاكرة الثقافية للمدينة.
والإهمال، في المقابل، ليس محايدًا.
حين يتراكم الغبار والأوساخ فوق تمثال شخصية ثقافية، وحين تتآكل ملامحه أو يتعرض محيطه للتشوه، فإن الرسالة التي تصل إلى المارة، ولو بصورة غير مباشرة، هي أن هذا الرمز لم يعد يحظى بالمكانة التي يستحقها.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: نحن نطالب الأجيال الجديدة باحترام رموزها الثقافية، بينما نترك بعض هذه الرموز تواجه الإهمال أمام أعينها.
من الاحتفاء إلى الرعاية
ثمة فرق كبير بين أن نحتفي بالرمز وأن نرعاه.
الاحتفاء سهل؛ يمكن أن نقيم ندوة، أو نصدر بيانًا، أو نضع صورة شاعر على ملصق، أو نطلق اسمه على شارع، أو نقيم احتفالًا بذكراه.
أما الرعاية فهي فعل مستمر يحتاج إلى مسؤولية ومؤسسات وخطة ومتابعة.
والثقافة الحقيقية لا تقاس بعدد الاحتفالات التي نقيمها للشخصيات الراحلة، وإنما بمدى قدرتنا على حماية آثارها ومخطوطاتها ومقتنياتها وتماثيلها وأماكنها المرتبطة بسيرتها.
إن تكريم أحمد شوقي، مثلًا، لا ينبغي أن يكون محصورًا في ترديد قصائده أو استعادة سيرته في المناسبات؛ بل يجب أن يشمل الحفاظ على كل ما يمثل حضوره في الذاكرة المصرية والعربية.
ومن هنا فإن قضية التمثال تفتح بابًا أوسع للنقاش حول مفهوم الصيانة الثقافية.
المشكلة ليست في الطيور
قد يبدو الحديث عن مخلفات الطيور فوق رأس التمثال أمرًا طريفًا أو ساخرًا، لكن تحويل القضية إلى نكتة فقط يضيّع جوهرها.
فالطيور لا تتحمل مسؤولية الإهمال.
الطيور جزء طبيعي من البيئة، والتلوث والغبار والعوامل الجوية أمور متوقعة في أي فضاء مفتوح. والمسألة الحقيقية هي: هل توجد جهة مسؤولة تتابع التمثال بصورة دورية؟ وهل توجد خطة لصيانته وتنظيفه وحمايته من تأثيرات البيئة؟
العمل الفني الموضوع في الشارع يحتاج إلى رعاية مختلفة عن العمل الموجود داخل قاعة متحف. إنه معرض للشمس والمطر والغبار والتلوث والرطوبة والاحتكاك البشري، ولذلك فإن تركه بلا متابعة ليس أمرًا مفاجئًا، وإنما هو نتيجة طبيعية لغياب منظومة الصيانة.
والأخطر من ذلك أن الإهمال إذا استمر سنوات قد يتحول من مشكلة قابلة للعلاج إلى تلف يحتاج إلى ترميم متخصص ومكلف.
جمال السجيني ومسؤولية الحفاظ على الفن
وتزداد المسألة أهمية حين نعرف أن التمثال يحمل قيمة فنية إلى جانب قيمته الأدبية والرمزية، لكونه من أعمال النحات المصري الكبير جمال السجيني.
وهنا نحن لا نحمي صورة أحمد شوقي وحدها، وإنما نحمي أيضًا جزءًا من تاريخ النحت المصري الحديث.
فالعمل الفني لا تنتهي قيمته بموت الفنان الذي أنجزه، بل تبدأ بعد ذلك رحلة أخرى هي رحلة الحفاظ عليه وإبقائه قادرًا على مخاطبة الأجيال التالية.
ومن المؤسف أن نكتشف أحيانًا أن الأعمال الفنية الموجودة في الفضاء العام لا تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام الذي تحظى به الأعمال الموجودة داخل المتاحف.
وكأن انتقال العمل الفني إلى الشارع يعني سقوطه من دائرة الحماية.
وهذا تصور يحتاج إلى مراجعة جذرية.
المدينة التي تحترم ذاكرتها
القاهرة ليست مجرد مدينة مزدحمة تعاني من ضغوط الحياة اليومية؛ إنها واحدة من أغنى المدن العربية في طبقاتها التاريخية والثقافية.
وفي شوارعها وميادينها وبيوتها ومبانيها وذاكرتها البصرية شواهد لا تنتهي على تاريخ مصر الثقافي.
لكن الذاكرة إذا لم تُصن تتحول إلى أطلال.
والمدينة التي تهمل رموزها في الفضاء العام، مهما كانت شعاراتها الثقافية كبيرة، تفقد شيئًا من قدرتها على التواصل مع تاريخها.
لذلك فإن صيانة تمثال أحمد شوقي ينبغي ألا تُفهم باعتبارها استجابة لحالة غضب عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما باعتبارها فرصة لمراجعة منظومة كاملة من التعامل مع التماثيل والأعمال الفنية في الأماكن العامة.
نحن بحاجة إلى سجل واضح للأعمال الفنية الموجودة في الميادين والشوارع، وجهات محددة مسؤولة عن متابعتها، وبرامج دورية للتنظيف والصيانة والترميم، وفرق متخصصة تتعامل مع كل عمل وفق مادته وطبيعته الفنية والتاريخية.
لا نريد تكريمًا بعد فوات الأوان
هناك ثقافة مؤسفة في مجتمعاتنا العربية تتمثل في أننا كثيرًا ما نتحرك بعد وقوع الضرر.
نترك الشيء حتى يتدهور، ثم نبحث عن مشروع للترميم.
نترك الوثيقة حتى تتلف، ثم نبدأ الحديث عن الأرشفة.
نترك المبنى التراثي حتى ينهار، ثم نتساءل كيف نحافظ على التراث.
ونترك الفنان أو الأديب في حياته يواجه التهميش، ثم نحتفل به بعد رحيله.
المطلوب هو الانتقال من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة الوقاية.
فالصيانة الدورية أقل تكلفة من الترميم بعد التلف، والحماية المستمرة أكثر جدوى من الاستجابة الموسمية للغضب العام.
شوقي لا يحتاج إلى اعتذار... نحن الذين نحتاج إلى مراجعة أنفسنا
الاعتذار الذي عبّر عنه بعض المثقفين تجاه أحمد شوقي بعد رؤية صورة تمثاله المهمل يحمل شحنة وجدانية نبيلة، لكنه في الحقيقة ينبغي أن يتحول إلى شيء أبعد من الاعتذار.
فشوقي لا يحتاج إلى اعتذارنا.
قصائده باقية، ومكانته الأدبية لا تهتز بما تراكم فوق تمثاله من غبار.
الذي يحتاج إلى المراجعة هو وعينا نحن.
هل نعرف قيمة ما نمتلك؟
هل نعلم أبناءنا أن الفن جزء من الحياة وليس زينة هامشية؟
هل نرى التمثال بوصفه ذاكرة أم مجرد قطعة جامدة في الطريق؟
وهل تمتلك مؤسساتنا الثقافية والمحلية رؤية واضحة لإدارة هذه الذاكرة وحمايتها؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تبقى بعد أن تهدأ الضجة.
من أحمد شوقي إلى كل رموزنا
إن قضية تمثال أحمد شوقي لا ينبغي أن تنتهي بتنظيفه فقط، على أهمية ذلك وضرورته.
بل ينبغي أن تكون بداية لمشروع أوسع لمراجعة حالة التماثيل والأعمال الفنية المرتبطة برموز الثقافة المصرية في مختلف المدن.
نريد أن نعرف أين توجد هذه الأعمال، ومن المسؤول عنها، وما حالتها، ومتى خضعت للصيانة آخر مرة، وما احتياجاتها المستقبلية.
نريد قاعدة بيانات وطنية للأعمال الفنية في الفضاء العام، بحيث تصبح كل قطعة جزءًا من سجل الذاكرة الثقافية، لا شيئًا مجهول المصير.
ونريد أن تصبح صيانة هذه الأعمال جزءًا من التخطيط الثقافي والحضري، لا مجرد استجابة لصورة تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي.
فالصورة التي أثارت الغضب يمكن أن تكون مؤلمة، لكنها في الوقت نفسه قد تكون مفيدة إذا نجحنا في تحويلها من فضيحة عابرة إلى وعي دائم.
خاتمة: حين نصون التمثال نصون المعنى
ربما تكون أكثر دلالة في هذه الواقعة أن الغبار لم يتراكم على رأس تمثال أحمد شوقي وحده، وإنما كشف غبارًا آخر أكثر خطورة: غبارًا يمكن أن يتراكم فوق علاقتنا بالثقافة نفسها.
فالرموز لا تُصان بالكلمات.
والذاكرة لا تحيا بالاحتفالات وحدها.
والثقافة لا تكون حقيقية إذا ظلت محصورة في الكتب والقاعات بينما تُترك شواهدها المادية في الشوارع للصدأ والإهمال.
إن تنظيف تمثال أحمد شوقي ضرورة، لكن الأهم أن ننظف مفهومنا عن التكريم ذاته.
التكريم الحقيقي ليس أن نضع للشاعر تمثالًا ثم نتركه وحيدًا في مواجهة الزمن؛ التكريم الحقيقي أن نحافظ على التمثال، ونقرأ الشعر، ونعلّم الأجيال، ونصون الذاكرة، ونمنح الثقافة مكانتها في الحياة اليومية.
فإذا كان أحمد شوقي قد قال:
إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ
فإن همُ ذهبت أخلاقُهم ذهبوا
فإن حضارتنا أيضًا تُقاس بما نفعله تجاه ما تركه لنا المبدعون.
والسؤال في النهاية ليس: متى ننظف تمثال أحمد شوقي؟
بل السؤال الأعمق:
متى نبدأ في تنظيف علاقتنا بالثقافة من الإهمال؟

تعليقات
إرسال تعليق