الزرقاء : جغرافيا الأسطورة وترميم الذاكرة الشفاهية

 الزرقاء: جغرافيا الأسطورة وترميم الذاكرة الشفاهية للكاتب الأردني ناصر الريماوي 


حسن غريب أحمد 

ناقد باحث روائي مصري 




استهلال 

​يقدم الأديب والروائي الأردني ناصر الريماوي في مجموعته الحكائية "مدينة الزرقاء: من حكايا الليل والسهر" تجربةً سردية متفردة تعيد صياغة الذاكرة المكانية والجمعية للمدينة العربية الحداثية عبر عدسة الواقعية السحرية الأدبية والميثولوجيا المحلية. 

فالزرقاء هنا ليست مجرد خلفية جغرافية إسمنتية أو محطة قطار متداعية، بل هي كائن حي متخيل، ذو وجدان وقسوة وشروط أخلاقية وميتافيزيقية.

​تتكئ البنية السردية في النصوص الثمانية على الأسطورة العمرانية  وتتقاطع مع فن الشفاهية الفلكلورية، حيث يتشكل الهيكل العام عبر مستويات نقدية يمكن تفكيكها إلى المحاور التالية:


​أولاً: سيمياء المكان وتحول الجغرافيا إلى كائن أخلاقي 

​لا يتعامل الريماوي مع معالم الزرقاء (عين الجرف، محطة الحجاز، السخنة، تلة الحاووز، سيل الزرقاء، وقصر شبيب) بوصفها تضاريس صامتة، بل بصفتها ذواتاً حية تُمارس العقاب والمكافأة.


​عين الجرف والحاووز والسيل (المياه ككائن مقدس):

 المائي يتجاوز وظيفته البيولوجية ليصبح ميثاقاً روحياً. 

في "عين الجرف"، يلتزم الماء بعهود الشيوخ (الشيخ عجاج)، وعندما يختل الشرط الأخلاقي للبشر (التلوث، التكالب المادي، ونسيان العهد)، يمارس الماء انسحابه العقابي. 

هذا يتكرر في "آخر بيت على السيل" و"العين السخنة"؛ فالماء لا يهرب بل "يستعيد نفسه"، محولاً النظرة البيئية إلى قضية أخلاقية وجودية.


​المكان العصي على الرقمنة: 

تلة الحاووز ليست مجرد خزان خرساني، بل ذاكرة أسطوانية تسجل أصوات المدينة.

 يتجاوز النص الرؤية الهندسية للمدينة ليجعل من خزان الماء "العقل الجمعي" الذي نسج أسطورة المدينة، وليس العكس.


​تحولات المعالم المكانية:

​عين الجرف: تتحول من مجرد كثيب رملي عند منحطف إسفلتي إلى نبع متدفق يظهر لمن يشاء ويتلاشى كالسراب، ليمثل الرمز الروحي والاختبار الأخلاقي.

​محطة القطار: تخرج من كونها أطلالاً ومبنى عثمانياً قديماً لتصبح مساراً لقطار شبحي يتنقل بين الشام والحجاز خارج الزمان، معبرةً عن البرزخ والزمن الموازي.

​تلة الحاووز: تتسامى من خزان مياه إسمنتي حديث إلى حافظ الأسرار ومجمّع أصوات الذاكرة، لتشكل الروح المدينية الجمعية.

​سيل الزرقاء: يتحول من مجرى مائي محاط بالإسمنت إلى مملكة للعرائس وممر بين العالم السفلي والواقع، ممثلاً الرحم الأول والأصل الأسطوري للمكان.


​ثانياً: شباك الزمن والزمن الموازي .


​يمارس الريماوي لعبة زمنية معقدة؛ حيث يتفتت الزمن الخطي المادي (الذي تمثله السيارات، الأتوستراد، والساعة) ليحل محله الزمن الدائري الميثولوجي.

​قطار الثانية ليلاً (زمن البرزخ): ينكسر الزمن الفيزيائي عند الساعة الثانية صباحاً — وهي لحظة خروج عن جدول الرحلات المنظم. الموظف "سالم" يترك زمنه الوظيفي ليدخل "زمن الضائعين في الصحراء". 

تحوله من "موظف حركة" إلى "راكب دائم" هو انزياح نمطي يرمز إلى ابتلاع الحكاية للإنسان؛ فالمشاهد لا يروي التاريخ بل يصبح جزءاً من الميثولوجيا.


​قافلة السراب وتفكيك الوهم: 

في حكاية السراب، يفكك الدليل "عواد" الانخداع بالظاهر. 

السراب ليس مجرد ظاهرة بصرية فيزياوية، بل هو "امتحان للقلب". النص هنا يُقرن المعرفة بالصبر ("الماء في الصبر، لا في السراب")، ممرحلاً الصحراء ككيان واعٍ يختبر المتعجلين.


​ثالثاً: تحولات الفلكلور والواقعية السحرية 

​تتجلى الواقعية السحرية عند الريماوي في نسج الغريب داخل العادي والمألوف بأسلوب هادئ لا يستفز بساطة الراوي الجمعي، بل يقدم المتافيزيقيا بوصفها حقيقة يومية.


​أساطير العذارى والنخيل: 

ظهور الفتيات الثلاث اللاتي يتحولن إلى ثلاث شجيرات نخيل في السخنة ينتمي إلى الميثولوجيا الكنعانية/البابلية القديمة المرتبطة بعرائس النهر والخصب .

 النخلات ليست مجرد نباتات، بل هن حارسات الغدير اللاتي يحفظن أسرار المكان.


​شخصية "ستيتة" (رمز الأبدية): 

تجسد "ستيتة" الذاكرة الحية المتجاوزة للعمر الإنساني. 

إنها لا تُعرف كشخص، بل كأصل من أصول التل الأثري. عباراتها الشبيهة بالنبوءات ("ما يأتي به الماء لن تذهب به الرياح") تشكل الركيزة اللغوية للتاريخ الشفاهي الذي يرفض المحو الحداثي.


​حكاية الرحى والرمل (تجسيد الجشع): هبوب الريح الغامضة لابتلاع امرأة طماعة وطاحونتها يُعيدنا إلى بنية الحكاية الأخلاقية الشعبية ، حيث ينقلب المنتج المادي (القمح) إلى صوت مكتوم تحت التراب يذكر العابرين بأن الأرض ترفض الاستغلال.


​رابعاً: البنية اللغوية والسردية (اللغة العتيقة والشعرية الشفاهية)

​تمتاز لغة ناصر الريماوي بالخصائص التالية:

​النبرة الحكائية الشفاهية :

 يُنشئ النص مسافة حميمية مع القارئ عبر استخدام صيغ مثل "قال لنا أحد المعمرين"، "يروي أهل البلدات"، "قالت جدتي". 

هذا التناقل الجيلي للحكاية يمنح النص سلطة "المأثور الشفاهي" الذي لا يمكن إثباته بالوثائق الرسمية، لكنه أعمق أثراً في الوجدان.


​التضاد البصري والمفهومي:

 يضع الكاتب دائماً الشواهد الحداثية المادية في مواجهة الأثر السحري (الأتوستراد في مواجهة القطار الشبحي، الإسمنت في مواجهة عروس السيل، السيارات في مواجهة عين الجرف).

 هذا التضاد يُظهر الجفاف الروحي للمدينة الحديثة أمام ثراء الذاكرة الشعبية القديمة.


​توظيف الحواس الفائقة: 

لا يقتصر السرد على الرؤية، بل يعتمد على الشم (رائحة القمح المحمص تحت الرمل)، والسمع (أنين الحجارة تحت الحاووز، صوت دوران الرحى، بكاء السيل)، والملمس (دفء ماء العين السخنة)، مما يخلق تجربة قراءة مجسمة .


وفي آخر رؤيتي لقراءتي النقدية أقول:

​تُعد نصوص "مدينة الزرقاء: 

من حكايا الليل والسهر" للكاتب ناصر الريماوي مشروعاً أدبياً واعياً لـ "أنسنة الأسطورة المحلية" و"تعدين الذاكرة الشفاهية". 

لم يقدم الريماوي الزرقاء بوصفها مدينة هامشية أو صحراوية جافة، بل بكونها بؤرة أسطورية مكتنزة بالحكايات والظلال. 

إنه يكتب بأسلوب الروائي العارف بطبوغرافية المكان والمفكر المتأمل في التحولات الاجتماعية والروحية، ناجحاً في إحياء التراث الشفاهي الأردني وصياغته بلغة أدبية رصينة تجمع بين شجن المأثور وجماليات الواقعية السحرية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة