بين الاعلام الحقيقي وضجيج الظهور
بين الإعلام الحقيقي وضجيج الظهور
حسن غريب أحمد
في زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي منبرًا مفتوحًا للجميع، اختلطت الأدوار، وتداخلت المفاهيم، حتى بات بعض الناس يتحدثون في الإعلام وتحليل الأخبار ونقل الأحداث بثقةٍ تفوق ثقة المتخصصين، وهم لا يعرفون من الإعلام إلا اسمه، ولا يميزون بين الخبر والرأي، ولا بين المعلومة والشائعة.
هناك من لا يعرف الفرق بين الألف من برج الجزيرة وكوز الذرة، ومع ذلك ينصب نفسه إعلاميًا ومحللًا وخبيرًا في كل شأن، ينقل الأخبار بلا تحقق، ويعيد تدوير الشائعات، ويضيف إليها من خياله، ثم يقدمها للناس على أنها حقائق ثابتة، غير مدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن الخبر أمانة، وأن تضليل الناس جريمة أخلاقية قبل أن يكون خطأً مهنيًا.
والإعلام ليس هاتفًا محمولًا، ولا صفحة على «فيسبوك»، ولا عددًا من المتابعين، ولا بثًا مباشرًا من هنا أو هناك. الإعلام علمٌ له أصول، ورسالةٌ لها أخلاقيات، ومهنةٌ تقوم على الدقة، والتحقق من المصادر، واحترام عقل المتلقي، لا على السعي وراء الإثارة أو جمع الإعجابات.
ولم تقف الظاهرة عند حدود نقل الأخبار وتحليلها، بل امتدت إلى الأفراح والمناسبات الاجتماعية، فأصبح بعضهم يحرص على الحضور حاملًا هاتفه قبل حضوره حاملًا مشاعره، يتنقل بين المدعوين وعدسات التصوير، وكأن المهمة الأساسية هي توثيق وجوده لا مشاركة الناس أفراحهم.
بل إن بعضهم يتخذ من هذه المناسبات وسيلةً للجلوس على الولائم، والتقاط الصور مع الشخصيات المعروفة، ثم يغرق صفحاته بعشرات المنشورات ليصنع لنفسه اسمًا لا يستند إلى إنجاز حقيقي ولا إلى عمل مهني محترم، وإنما إلى كثرة الظهور. إنها شهرة مصطنعة لا تصنع قيمة، وحضور صاخب يخلو من المضمون.
فالأسماء الكبيرة لا تُبنى بعدسات الهواتف، ولا تُصنع على موائد المناسبات، وإنما تُبنى بالعلم والثقافة والعمل الجاد والالتزام المهني. أما الشهرة القائمة على الاستعراض، فهي لا تلبث أن تتلاشى، لأنها تشبه الحمل الكاذب؛ يبدو من بعيد وكأن هناك مولودًا في الطريق، لكن الحقيقة أن لا شيء يولد في النهاية.
إن المشكلة ليست في أن يبدي الإنسان رأيه، فالرأي حق لكل إنسان، وإنما في أن يتحول الجهل إلى منصة، والشائعة إلى خبر، والظهور إلى إنجاز، وأن يختلط الإعلام الحقيقي بالاستعراض الرقمي.
لقد أصبحنا في حاجة إلى وعي يعيد الأمور إلى نصابها، ويحترم قيمة التخصص، ويُدرك أن الإعلام رسالة قبل أن يكون مهنة، ومسؤولية قبل أن يكون شهرة، وأن الضجيج لا يصنع إعلاميًا، كما أن كثرة الصور لا تصنع قيمة، وكثرة المتابعين لا تمنح صاحبها صفة الخبير.
ويبقى الفرق كبيرًا بين إعلاميٍ يصنع الوعي، وآخر لا يصنع إلا الضجيج.

تعليقات
إرسال تعليق