التخلي فضيلة البدايات الجديدة
التخلّي... فضيلة البدايات الجديدة
حسن غريب أحمد
ليست الحياة سلسلة من الاكتسابات المتتالية، كما يتوهم كثيرون، بل هي أيضًا فنٌّ رفيع في التخلّي.
فما يثقل الروح ليس دائمًا ما ينقصها، وإنما ما تصرّ على حمله بعد أن انتهى دوره، وفقد معناه، واستحال إلى عبءٍ يستنزف طاقتها ويؤجل انطلاقتها.
يُربَّى الإنسان، منذ طفولته، على قيمة الاحتفاظ؛ الاحتفاظ بالأشياء، وبالوعود، وبالعلاقات، وبالذكريات. حتى يصبح التخلّي في وعيه مرادفًا للخسارة أو الهزيمة أو الجحود.
غير أن التجربة الإنسانية تكشف، مع مرور الزمن، أن بعض أشكال التشبث ليست إلا خوفًا مقنعًا، وأن بعض صور الوفاء ليست سوى عجز عن مواجهة الحقيقة.
كم من علاقة انتهت منذ سنوات، بينما ظل أصحابها يعيشون داخل أطلالها، يعيدون ترميم ما تهدّم، ويمنحون الحياة لما مات، ويستهلكون أعمارهم في انتظار معجزة لا تأتي.
وكم من إنسان بقي حبيس مكانٍ يضيق بأحلامه، أو وظيفة تلتهم موهبته، أو فكرة تجاوزها الزمن، لأنه لم يمتلك شجاعة المغادرة.
التخلّي لا يعني إنكار الماضي، ولا محو الذكريات، ولا التنكر لمن مرّوا في حياتنا.
إنه، في جوهره، اعتراف بأن الزمن يتحرك، وأن الإنسان لا يستطيع أن يعبر إلى ضفة جديدة وهو يحمل على كتفيه كل ما مرّ به.
فكل عبور يحتاج إلى خفة، وكل بداية تحتاج إلى مساحة، وكل ولادة جديدة تستلزم نهاية سابقة.
ولعل الطبيعة تقدم لنا أبلغ الدروس في هذا المعنى.
فالشجرة التي تتشبث بأوراقها اليابسة لن تعرف اخضرار الربيع، والنهر الذي يتوقف أمام صخرة يفقد صفته الأولى، لأنه خُلق ليجري لا ليقيم.
حتى الليل، على قتامته، لا يتشبث بالسماء، بل ينسحب بهدوء كي يمنح الفجر فرصته في الظهور.
وفي الحياة الثقافية والإبداعية، يبدو هذا المعنى أكثر وضوحًا. فالمبدع الحقيقي لا يتقدم إلا حين يمتلك الجرأة على التخلّي عن يقينٍ قديم ليبحث عن يقينٍ جديد، وعن أسلوب استنفد طاقته ليغامر بأسلوب آخر، وعن نجاح مضى ليبدأ رحلة أكثر صعوبة وأكثر صدقًا. إن الجمود يبدأ لحظة يظن الإنسان أن ما وصل إليه هو نهاية الطريق.
لكن أصعب أنواع التخلّي هو التخلي عن الصورة التي رسمناها لأنفسنا.
أن نعترف بأن بعض أحلامنا لم تعد تناسبنا، وأن بعض قناعاتنا تحتاج إلى مراجعة، وأن بعض الأشخاص الذين أحببناهم لم يعودوا يشبهوننا، أو ربما لم نعد نشبههم. تلك المواجهة ليست ضعفًا، بل شجاعة نادرة، لأنها تعني الانتصار على وهم الاستمرار في طريق فقد معناه.
إن الإنسان لا يُقاس بعدد ما يملك، بل بقدرته على التمييز بين ما ينبغي الاحتفاظ به وما ينبغي وداعه. فالحكمة ليست أن نجمع كل شيء، وإنما أن نعرف قيمة ما يبقى، وأن نتحرر مما يستنزف أرواحنا دون أن يضيف إليها نورًا أو معنى.
ربما لهذا السبب تبدو بعض النهايات مؤلمة في لحظتها، لكنها تصبح، بعد سنوات، أكثر اللحظات التي نشكر الحياة عليها.
إذ ندرك متأخرين أن الباب الذي أُغلق لم يكن عقابًا، بل حماية، وأن اليد التي أفلتناها لم تكن خسارة، بل كانت بداية استعادة أيدينا لأنفسنا.
وهكذا يغدو التخلّي فعلًا من أفعال النضج، لا لأنه يعلمنا كيف نفقد، بل لأنه يعلمنا كيف نختار، وكيف نمضي، وكيف نصنع من الفراغ الذي أخافنا يومًا مساحةً تتسع لحياةٍ أجمل، وإنسانٍ أكثر صفاءً، ومستقبلٍ لم يكن ليولد لولا أننا امتلكنا شجاعة أن نودّع ما لم يعد ينتمي إلينا.

تعليقات
إرسال تعليق