الندم ليس عدواً
الندم ليس عدوًا.. بل رسالة تستحق أن نقرأها
حسن غريب أحمد
في حياتنا جميعًا لحظات نتمنى لو أننا عدنا بالزمن دقيقة واحدة فقط، لنقول كلمة لم نقلها، أو نسكت عن كلمة قلناها، أو نتخذ قرارًا مختلفًا. تلك اللحظات تُولد شعورًا يُسمى الندم، وهو شعور يخشاه كثيرون، بينما الحقيقة أنه ليس دائمًا عدوًا، بل قد يكون من أكثر المشاعر قدرة على صناعة الإنسان.
الندم الصحي لا يُحطم صاحبه، بل يوقظه. إنه الجرس الذي يدق داخل النفس ليقول: هنا أخطأت، وهنا يمكنك أن تكون أفضل. أما الإنسان الذي لا يندم أبدًا، فقد يفقد أهم وسيلة للمراجعة والتقويم، فيكرر أخطاءه دون أن يشعر.
ليس المطلوب أن نغرق في جلد الذات، ولا أن نحمل الماضي فوق أكتافنا إلى الأبد، بل أن نحول الندم إلى درس، والخطأ إلى خبرة، والسقوط إلى بداية جديدة. فالحياة لا تكافئ من لم يخطئ، وإنما تكافئ من تعلّم من أخطائه.
كم من علاقة أنقذها ندم صادق، وكم من إنسان غيّر مسار حياته لأن لحظة صدق مع نفسه جعلته يعترف بأنه كان على خطأ. الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، بل شجاعة أخلاقية، والاعتذار ليس انكسارًا، بل دليل على نبل النفس.
لكن هناك نوعًا آخر من الندم، وهو الندم الذي يتحول إلى سجن، فيجعل الإنسان أسيرًا للماضي، يلوم نفسه كل يوم دون أن يخطو خطوة واحدة نحو المستقبل. هذا الندم لا يبني، بل يهدم، لأنه يفصل الإنسان عن الأمل ويحرمه من فرصة التغيير.
الحكمة أن نسأل أنفسنا: ماذا علّمني هذا الندم؟ وكيف أصبح أفضل بسببه؟ فإذا خرجنا بالإجابة، فقد أدى الندم رسالته، ولم يعد له مبرر للبقاء.
إن أجمل ما في الندم أنه يذكرنا بأن ضميرنا ما زال حيًا، وأن إنسانيتنا لم تمت، وأن أبواب التوبة والإصلاح والمراجعة لا تزال مفتوحة ما دام في العمر بقية.
فالندم الحقيقي ليس نهاية الطريق، بل أول خطوة نحو النضج، وأول باب للتغيير، وأصدق دليل على أن الإنسان ما زال قادرًا على أن يصبح نسخة أفضل من نفسه.

تعليقات
إرسال تعليق