حين لا تكون المكتبة وحدها وطناً للمعرفة
حين لا تكون المكتبة وحدها وطنًا للمعرفة
حسن غريب أحمد
يُقال إن الكتب هي أوعية الحكمة، ومستودعات الخبرة الإنسانية، وهذا صحيح إلى حدٍّ بعيد.
فمن خلالها انتقلت إلينا علوم الأمم، وفلسفات الحضارات، وتجارب العظماء. لكن الحقيقة التي يغفلها كثيرون هي أن المعرفة أوسع من أن تُختزل في رفوف المكتبات، وأن الكتاب، على أهميته، ليس سوى طريق من طرق عديدة تؤدي إلى الحكمة.
لقد عرف تاريخ الفكر فلاسفةً عشقوا الكتب حتى جعلوا منها رفاق أعمارهم، ورأوا في القراءة مفتاحًا لفهم الإنسان والكون.
وفي المقابل، ظهر مفكرون رأوا أن الحياة نفسها هي الكتاب الأكبر، وأن التجربة المباشرة، والتأمل العميق، والسفر، والحوار، ومخالطة الناس، تمنح الإنسان من المعرفة ما قد تعجز عنه آلاف الصفحات.
الفيلسوف الحقيقي لا يقيس ثقافته بعدد الكتب التي اقتناها، بل بقدرته على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى موقف، والموقف إلى سلوك. فكم من مكتبة عامرة لا تخرج إلا حافظًا للنصوص، وكم من إنسان بسيط علّمته الحياة ما لم تعلمه الجامعات.
إن القراءة التي لا تثمر تفكيرًا تصبح تكديسًا للمعلومات، كما أن التجربة التي لا يصاحبها تأمل قد تتحول إلى مجرد أحداث عابرة. ولذلك فإن المعرفة الحقيقية تولد من التوازن بين العقل الذي يقرأ، والعين التي تلاحظ، والقلب الذي يتأمل، والضمير الذي يختبر.
ولعل أخطر ما يواجه المثقف اليوم هو أن يظن أن امتلاك الكتب يعني امتلاك الحقيقة. فالحقيقة لا تسكن بين الأغلفة وحدها، بل تتشكل في الحوار، وفي الاحتكاك بالواقع، وفي مراجعة الأفكار، وفي الشجاعة على الاعتراف بالخطأ عندما يثبت الواقع غير ذلك.
ليست القضية إذن أن نُفاضل بين الكتاب والحياة، بل أن نفهم أن كليهما يكمل الآخر. فالكتاب يفتح الأبواب، لكن الحياة تكشف ما وراءها. والقراءة تمنح الأسئلة، بينما تمنح التجربة كثيرًا من الإجابات.
لهذا، لا ينبغي أن نسأل: هل تُولد الأفكار بين رفوف المكتبات أم في رحابة العالم؟ بل لعل السؤال الأجدر هو: كيف نجعل من القراءة حياة، ومن الحياة كتابًا مفتوحًا لا يتوقف عن تعليمنا؟
فالإنسان المثقف حقًا ليس من قرأ أكثر، وإنما من فهم أكثر، وتأمل أكثر، وعاش تجربته بوعي، وجعل من كل يوم صفحة جديدة في كتاب المعرفة الذي لا تنتهي فصوله.

تعليقات
إرسال تعليق