34 مليون والعدل المؤجل ليس عدلاً
34 مليون جنيه... والعدل المؤجل ليس عدلًا
انتهى الأمر. صُرفت أربعة وثلاثون مليون جنيه، وأُغلقت كشوف الصرف، لكن جراح أصحاب الحقوق لم تُغلق. فهناك عشرات من المعلمين، خاصة المحالين إلى المعاش، يقفون اليوم مذهولين أمام مشهد لا يستطيعون فهم منطقه؛ أحكامهم القضائية أقدم، وحقوقهم ثابتة، ومع ذلك لم تصل إليهم مستحقاتهم، بينما حصل عليها آخرون صدرت لهم الأحكام منذ عام أو عامين فقط وما زالوا على رأس العمل.
وعندما ارتفعت أصوات المتضررين متسائلين: لماذا تجاوزتم أصحاب الأحكام الأقدم؟ ولماذا حُرم من أفنى عمره في خدمة التعليم؟ كانت الإجابة: "إن شاء الله في السنة المالية الجديدة."
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: وهل الحقوق تُؤجل بالوعود؟ وهل يتحمل أصحاب المعاشات عامًا جديدًا من الانتظار، وقد انتظر بعضهم سنوات طويلة حتى صدر لهم الحكم القضائي؟
إن القضية لم تعد قضية مبلغ مالي، بل قضية عدالة إدارية وثقة مفقودة. فالعدالة تقتضي أن تكون الأولوية للأسبق حكمًا، ولمن طال انتظاره، لا أن يصبح ترتيب الصرف محل تساؤلات واستغراب بين أصحاب الشأن.
ومن المؤسف أن يخرج البعض ليغرق المشهد في سيل من عبارات الشكر والإشادة والتصفيق، بينما يقف أصحاب الحقوق على الجانب الآخر يحملون قرارات قضائية لم تُنفذ بحقهم. فالثناء الحقيقي يكون على القرار العادل، لا على القرار الذي يثير شعورًا بالتمييز بين أصحاب الحق الواحد.
إن المسؤولية الأخلاقية والإدارية تفرض على القائمين على هذا الملف إعلان الأسس التي تم على أساسها اختيار المستفيدين من مبلغ الأربعة والثلاثين مليون جنيه، ولماذا لم تبدأ الأولوية بأصحاب الأحكام الأقدم، خصوصًا من خرجوا إلى المعاش ولم يعد لهم مورد سوى معاش محدود ينتظرون أن تعينه هذه المستحقات على أعباء الحياة.
إن تأجيل الحقوق لا يلغيها، لكنه يضاعف الإحساس بالظلم. وكلما طال الانتظار، ازدادت الفجوة بين الإدارة والعاملين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة العملية التعليمية.
ليس المطلوب تصفية حسابات مع أحد، ولا الإساءة إلى شخص بعينه، وإنما المطلوب هو تطبيق مبدأ بسيط لا يختلف عليه اثنان: العدل قبل المجاملة، والحق قبل الثناء، والشفافية قبل الوعود.
فإذا كان هناك خطأ في ترتيب الأولويات، فإن الاعتراف به وتصحيحه هو شجاعة تُحسب للمسؤول، أما ترك أصحاب الحقوق على أمل "السنة المالية القادمة"، فهو لا يبدد شعورهم بأن العدالة قد تأخرت كثيرًا... والعدل إذا تأخر، فقد جانب أهم مقاصده، وهو إنصاف المظلوم في الوقت المناسب.

تعليقات
إرسال تعليق