بين صرخة الإعلامي صلاح البلك ووجع المثقف
بين صرخة صلاح البلك ووجع المثقف
حسن غريب أحمد
كتب الإعلامي والكاتب القدير الأستاذ صلاح البلك عبارته الصادمة:
«"القطة أكلت لسان كل مثقف أو صاحب رأي.. الخرس القهري أصاب الجميع. الحق أقول لكم.. لعنة الله عليكم... أمة ونخبة."»
ليست هذه الكلمات مجرد انفعال عابر، بل صرخة تحمل قدرًا كبيرًا من الألم والإحباط تجاه واقعٍ يرى فيه أصحاب الفكر وقد تراجع حضورهم، أو آثر كثير منهم الصمت في لحظات كانت تنتظر منهم موقفًا وكلمة.
فالمثقف ليس صاحب شهادة أو لقب، وإنما صاحب ضمير ورسالة. والكلمة التي لا تُقال في وقت الحاجة تفقد كثيرًا من قيمتها، لأن التاريخ لا يتذكر الذين شاهدوا الأحداث بصمت، بل يتذكر الذين امتلكوا شجاعة الموقف، حتى وإن اختلف الناس معهم.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يفرض علينا ألا نعمم الأحكام. فهناك من صمت خوفًا من بطش أو تضييق، وهناك من اختار السلامة على المواجهة، وهناك أيضًا من لا يزال يدفع ثمن كلمته كل يوم. لذلك، فإن الأزمة ليست في صمت الجميع، وإنما في اتساع مساحة الصمت حتى أصبحت الأصوات الحرة تبدو قليلة.
إن الأمم لا تبنى بالمجاملة، ولا ينهض وعيها إذا غاب النقد المسؤول، أو أصبح الرأي الحر تهمة. فالمثقف الحقيقي هو الذي ينحاز للحقيقة، لا للمصلحة، ويضع ضميره فوق كل اعتبار.
لقد أراد الأستاذ صلاح البلك أن يهز الضمير العام بهذه الكلمات القاسية، سواء اتفقنا مع حدتها أو اختلفنا معها. لكنها تفتح بابًا لسؤال لا يجوز تجاهله: أين يقف المثقف اليوم؟ وهل ما زالت الكلمة قادرة على أداء رسالتها، أم أن الخوف أصبح أقوى من القلم؟
إن التاريخ لا يرحم المتخاذلين، كما لا ينسى أصحاب المواقف. وستظل الكلمة الصادقة، مهما حوصرت، أقوى من الصمت، وأبقى من كل حسابات اللحظة.

تعليقات
إرسال تعليق