عندما تصاب البوصلة الأخلاقية بالعمى

 عندما تُصاب البوصلة الأخلاقية بالعمى


حسن غريب أحمد 



كلما اعتقدنا أن البشرية قد استنفدت ما لديها من غرائب، خرج علينا من يثبت أن الخيال إذا انفصل عن العقل، والحرية إذا انفصلت عن المسؤولية، يمكن أن يتحولا إلى معول يهدم أقدس ما تملكه المجتمعات: الأسرة.


لم يعد بعض الناس يكتفون بمناقشة المشكلات، بل صاروا يقترحون إلغاء الأساس الذي تقوم عليه الحياة الاجتماعية. 

فإذا تعثرت مؤسسة الزواج، قالوا: اهدموها. 

وإذا ظهرت أزمة، اقترحوا القضاء على أصل الفكرة. وكأن من تعطلت سيارته قرر أن يحرق الطريق كله!


أي منطق هذا الذي يريد أن يمحو الأبوة، ويذيب الأمومة، ويجعل الطفل مجهول الجذور، ثم يصف ذلك بأنه "تطور"؟!

 إن التطور الحقيقي يزيد الإنسان إنسانية، أما هذا فلا يزيده إلا اغترابًا عن فطرته، وقطيعة مع أبسط معاني المسؤولية.


لقد أصبح "الترند" عند بعض صناع المحتوى إلهًا صغيرًا يُعبد في معابد المنصات الرقمية. 

كلما كانت الفكرة أشد غرابة، وأبعد عن العقل، وأكثر قدرة على إثارة الضجيج، ازدادت فرص انتشارها.

 ولم يعد المهم أن تكون الفكرة صحيحة، بل أن تكون صادمة.


وهكذا تحولت بعض المنصات من ساحات للمعرفة إلى مسارح للعبث، ومنابر للرأي إلى أسواق للمزايدة على القيم. 

ولم يعد بعضهم يبحث عن الحقيقة، بل عن عدد المشاهدات، ولو كان الثمن تشويه الوعي وإرباك عقول الشباب.


إن الأسرة ليست اختراعًا اجتماعيًا عابرًا حتى يُعاد تصميمها كل صباح وفق أهواء أصحاب الكاميرات. إنها المؤسسة التي حفظت المجتمعات، وربطت الأجيال، ورسخت المسؤولية، وصانت الأنساب، وحمت الأطفال من أن يتحولوا إلى ضحايا لنزوات الكبار.


وليس كل جديد فضيلة، كما أن كل قديم ليس رذيلة.

 فكم من فكرة وُلدت بالأمس وماتت في اليوم نفسه لأنها كانت بلا عقل، وكم من قيمة بقيت آلاف السنين لأنها كانت أساسًا للحياة لا قيدًا عليها.


إن أخطر ما في هذه الطروحات أنها لا تهاجم الأسرة وحدها، بل تهاجم فكرة الالتزام نفسها.

 تريد حقوقًا بلا واجبات، وعلاقات بلا مسؤولية، وأطفالًا بلا نسب واضح، ومجتمعًا بلا ضوابط.

 إنها وصفة للفوضى، لا مشروع للإصلاح.


سيبقى الإنسان محتاجًا إلى بيت يعرفه، وأب ينتسب إليه، وأم تحتضنه، وأسرة تمنحه الأمان.

 أما النظريات التي تجعل العلاقات مجرد لعبة جماعية، فلن تصنع إلا مجتمعًا أكثر وحدة، وأكثر اضطرابًا، وأكثر فقدانًا للثقة.


وليعلم مروجو هذه الأوهام أن الحضارة لا تُقاس بقدرتها على كسر القيم، بل بقدرتها على صيانة الإنسان.

 وأن المجتمعات التي تفرط في ثوابتها بدعوى الحداثة، لا تصل إلى المستقبل، بل تفقد طريقها إليه.


فليس كل من أحدث ضجيجًا أصبح مفكرًا، وليس كل من صدم الناس صار صاحب مشروع. أحيانًا يكون الضجيج مجرد فراغ يصرخ بأعلى صوته.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة