لا تبكِ في الشارع فمن يبكي هذا الزمن

 لا تبكِ في الشارع... فمن يبكي هذا الزمن؟


حسن غريب أحمد 



تختصر الكلمات القليلة التي كتبها الشاعر عبد الرحيم طايع مأساة الإنسان المعاصر، ذلك الإنسان الذي أصبح محاصرًا حتى في مشاعره. 

فالبكاء، الذي كان يومًا لغة القلب حين يعجز اللسان، تحول في زمننا إلى تهمة؛ فإن بكيت في الشارع قيل إنك مجنون، وإن بكيت في البيت اتُّهمت بالضعف، وإن اخترت أن تبكي وحيدًا وجدت نفسك تواجه وجعًا آخر، هو قسوة الوحدة وتخلّي الأصدقاء.

لقد أصبح المجتمع يطالب الإنسان بأن يكون صلبًا دائمًا، مبتسمًا دائمًا، قادرًا على إخفاء انكساراته مهما كانت قاسية. وكأن الحزن جريمة، والدمعة دليل هزيمة، والاعتراف بالألم نقص في الرجولة أو ضعف في الشخصية. 

إنها ثقافة الأقنعة التي تدفع الناس إلى إخفاء جراحهم حتى لا يتحولوا إلى مادة للأحكام أو السخرية.

والمؤلم حقًا ليس غياب من يواسي، بل وجود من يحاكم مشاعر الآخرين. 

فبدل أن تمتد الأيدي للمساندة، تمتد الألسنة لإطلاق الأحكام.

 وبدل أن يجد الإنسان صدرًا يحتضن ألمه، يجد عيونًا تراقبه وتفسر دموعه بما تشاء.

أما أقسى ما في النص فهو الإشارة إلى تخلي الأصدقاء، فليس هناك وجع يضاهي أن تكتشف أن الذين كانوا يملؤون حياتك ضجيجًا قد اختفوا عندما احتجت إلى كلمة صادقة أو كتف تستند إليه. 

عندها يدرك الإنسان أن الصداقة الحقيقية لا تُقاس بكثرة اللقاءات، وإنما تُقاس بالحضور وقت الانكسار.

إن قوة هذا النص تكمن في بساطته، فهو لا يروي حكاية فرد، بل يحكي عن جيل كامل يعيش تحت ضغط نفسي واجتماعي هائل، يخشى فيه الناس البوح أكثر مما يخشون الألم نفسه.

 لذلك لم يعد السؤال: أين نبكي؟ 

بل أصبح: هل بقي هناك من يفهم معنى الدموع؟

إن الإنسان لا يحتاج إلى عالم يخلو من الحزن، بل يحتاج إلى عالم يحترم ضعفه الإنساني، ويؤمن بأن الدموع ليست علامة انهيار، وإنما قد تكون بداية التعافي، وأن احتواء المنكسرين فضيلة، لا منّة، وأن الرحمة هي اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى تفسير.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة