اسم الكاتب بين الاعتراف والخذلان
لم تكن الجائزة هي القضية
حين يُمحى اسم الكاتب بين الاعتراف والخذلان
بقلم: حسن غريب أحمد
ليست كل الخسارات خسارة جائزة، وليست كل الصدمات مرتبطة بقيمة مادية أو معنوية لما فقدناه. أحيانًا تكون الصدمة الحقيقية في السؤال الذي يظل معلقًا بلا إجابة: ماذا حدث؟
ولماذا حدث؟
ومن المسؤول؟
أكتب هذه الكلمات لا بحثًا عن جائزة ضائعة، ولا رغبة في استعادة شيء مضى عليه أكثر من عقد، وإنما لأن بعض الوقائع تظل عالقة في الذاكرة، خصوصًا حين لا تجد تفسيرًا واضحًا.
في عام 2015م، كنت مشاركًا في ندوة أدبية بمدينة بورسعيد، بعد رحلة سفر طويلة من العريش. وفي أثناء وجودي في بيت شباب بورسعيد، غلبني التعب فنمت في فترة القيلولة.
لم أكن أعرف أنني بعد دقائق سأستيقظ على خبر لم أكن أتوقعه.
استيقظت على أصوات عدد من الأصدقاء الذين هاتفوني ليهنئوني ويباركوا لي حصولي على جائزة الدولة التشجيعية في الدراسات النقدية. كنت في البداية أظن أن الأمر مجرد تهنئة أو خبر غير مؤكد، لكن الأصدقاء أخبروني أن أسماء الفائزين أُعلنت بالفعل، وأن اسمي كان من بينها، كما بدأت التهاني تظهر على صفحات الأصدقاء ومواقع التواصل الاجتماعي بعد أن نشرت المواقع الإلكترونية أسماء الفائزين.
كانت لحظة لا أنكر أنني فرحت بها.
فالجائزة بالنسبة إلى الكاتب ليست مجرد شهادة أو مبلغ مالي، وإنما هي، في جانب منها، اعتراف بمسيرة طويلة من العمل والقراءة والبحث والكتابة، وخصوصًا عندما يتعلق الأمر بكاتب أو ناقد وباحث قضى سنوات من عمره في خدمة الأدب والثقافة.
لكن الفرحة لم تدم طويلًا.
بعد نحو ساعتين، فوجئت باختفاء اسمي من قوائم الفائزين، وتغيّر الأمر، وذهبت الجائزة إلى شخص آخر.
ومنذ ذلك اليوم، ظل سؤال واحد يطاردني:
كيف يمكن أن يُعلن اسم شخص باعتباره فائزًا بجائزة، ثم يُحذف اسمه بعد ساعات؟
وحتى هذه اللحظة، لا أملك إجابة شافية عن الكيفية التي حدث بها ذلك، ولا أعرف على وجه اليقين من اتخذ القرار أو ما الملابسات التي أدت إليه.
ولست هنا لأصدر حكمًا على أحد، ولا لأتهم شخصًا بعينه، وإنما أسجل واقعة عشتها بنفسي، لأنني أؤمن أن المؤسسات الثقافية الكبرى لا ينبغي أن تترك أصحاب الشأن أمام علامات استفهام مفتوحة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بجوائز تحمل اسم الدولة.
فالعدالة الثقافية لا تبدأ فقط من اختيار الفائز، وإنما تبدأ من وضوح الإجراءات، ودقة الإعلان، واحترام حق المتنافسين في معرفة ما جرى.
وقد يقول قائل: لماذا تعود إلى واقعة مضى عليها أكثر من عشر سنوات؟
والإجابة بسيطة:
لأن الوقائع القديمة لا تموت عندما لا تجد تفسيرًا.
بل ربما تصبح أكثر إلحاحًا مع مرور الزمن.
والإنسان حين يكبر في تجربته الثقافية لا يعود يبحث فقط عن التكريم، وإنما يبدأ في طرح أسئلة أكثر أهمية: هل كانت المنافسة عادلة؟
هل كانت المعايير معلنة؟
هل يعرف المتنافسون لماذا فاز هذا وخسر ذاك؟
وهل توجد آلية واضحة للاعتراض والمراجعة؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا، وليست إساءة إلى المؤسسات.
بل هي جوهر أي منظومة ثقافية محترمة.
ثم جاءت واقعة أخرى أعادت إلى ذاكرتي واقعة جائزة الدولة، وهذه المرة مع منحة التفرغ.
في شهر رمضان الماضي، أُعلن من جانب مجلس نقابة إدارة اتحاد كتاب مصر أن اسمي كان ضمن الأسماء التي تم ترشيحها للحصول على منحة التفرغ، إلى جانب عدد من الأسماء الأخرى.
لكن هذا الترشيح، في حالتي، لم يكن مجرد ترشيح للحصول على منحة أراها استحقاقًا شخصيًا، وإنما كان – بحسب ما فهمت من الملابسات – محاولة للمساعدة الإنسانية في ظروف شديدة القسوة أمر بها.
لقد وصلت ظروفي المعيشية إلى حد بالغ الصعوبة، وأعيش في أوضاع مالية واجتماعية قاسية، لا تليق بإنسان أفنى جانبًا كبيرًا من عمره في العمل والتعليم والكتابة والثقافة. وبصراحة شديدة، فإن وضعي المعيشي بلغ حدًا يمكن وصفه بأنه دون خط الفقر، وفي ظروف صعبة جدًا وغير آدمية.
ولذلك كنت أنظر إلى منحة التفرغ، إن حصلت عليها، باعتبارها مساعدة تعينني على تجاوز جانب من هذه الظروف، وتمنحني قدرًا من الأمان يسمح لي بمواصلة الكتابة والعمل الثقافي.
لم أطلب امتيازًا.
ولم أطلب أن تُمنح لي المنحة لأنني كاتب.
كنت أرجو فقط أن تصل المساعدة إلى من يحتاج إليها فعلًا، إذا كان اسمي قد رُشح بالفعل من الجهة التي أعلنت ترشيحي.
لكن المفاجأة جاءت عندما أعلنت أسماء الحاصلين على المنحة، ولم يكن اسمي بينها.
مرة أخرى، لم تكن المشكلة عندي في عدم الفوز.
فالترشيح لا يعني الفوز، ومن حق اللجان أن تختار من تراه أكثر استحقاقًا وفق معاييرها.
لكنني اتصلت بالدكتورة أماني الجندي، رئيس إدارة التفرغ بالمجلس الأعلى للثقافة، للاستفسار عن الأمر، فأكدت لي – بحسب ما نقلته لي في الاتصال – أن اسمي لم يكن أصلًا ضمن الأسماء التي رشحتها نقابة اتحاد كتاب مصر.
وهنا أصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
كيف يُعلن مجلس نقابة إدارة اتحاد كتاب مصر أن اسمي من بين المرشحين، ثم أعرف من إدارة التفرغ بالمجلس الأعلى للثقافة أن اسمي لم يكن ضمن الأسماء المرشحة أصلًا؟
أين الحقيقة إذن؟
والأشد إيلامًا أنني لم أكن أبحث عن منحة للترف أو الرفاهية.
كنت أحتاج إليها لأنني أعيش ظروفًا قاسية جدًا، ولأن سنوات طويلة من العمل الثقافي والتربوي لم تمنحني حصانة من الفقر والعوز.
قد يكون من السهل على البعض أن يتحدث عن المبدع باعتباره إنسانًا يعيش في عالم الكتب والقصائد والروايات، لكن وراء الكاتب إنسان له احتياجاته اليومية، وله بيت، وله دواء، وله فواتير، وله أسرة، وله كرامة يريد أن يحافظ عليها.
المبدع ليس كائنًا يعيش بالكلمات وحدها.
ولهذا كان ترشيحي – إذا كان قد تم بالفعل – بالنسبة إليّ موقفًا إنسانيًا قبل أن يكون موقفًا ثقافيًا.
ومن هنا تأتي مرارة السؤال: إذا كان هناك بالفعل ترشيح باسمي لمساعدة كاتب يعيش ظروفًا بهذه القسوة، فكيف اختفى هذا الترشيح من المسار الرسمي؟
أنا لا أتهم أحدًا.
لكنني أسأل.
والسؤال حق.
لقد تعلمت من التجربة الأولى في جائزة الدولة، ومن التجربة الثانية مع منحة التفرغ، أن القضية ليست دائمًا في الحصول على الجائزة أو المنحة.
القضية في الطريقة التي تدار بها الأمور.
فالكاتب يستطيع أن يتقبل الخسارة إذا كانت واضحة.
ويستطيع أن يهنئ غيره إذا كان يعلم أن المنافسة كانت نزيهة.
ويستطيع أن يقول: «لم أوفق هذه المرة»، وينصرف إلى كتابه.
لكن ما لا يستطيع الإنسان أن يتقبله بسهولة هو أن يجد نفسه أمام معلومات متناقضة، أو أمام اسم ظهر ثم اختفى، أو ترشيح قيل إنه تم ثم يقال له لاحقًا إنه لم يحدث.
هنا تتحول المسألة من جائزة ومنحة إلى أزمة ثقة.
أنا لا أكتب هذه السطور لأنني أعتقد أن الجائزة أو المنحة حق شخصي لي.
الجوائز ليست حقوقًا مكتسبة لمجرد أن الكاتب يكتب.
والمنح ينبغي أن تخضع لمعايير موضوعية.
وقد يخسر الكاتب جائزة وهو مقتنع تمامًا بأن من فاز بها يستحقها، ويمكنه أن يهنئ الفائز وهو مرتاح الضمير.
المشكلة تبدأ عندما لا يعرف الكاتب لماذا خسر، ولا كيف جرت الإجراءات، ولا أين تقف الحقيقة.
هنا لا تعود القضية قضية جائزة.
تصبح قضية ثقة.
والثقة هي رأس مال المؤسسات الثقافية.
لقد كتبت عشرات الكتب والدراسات النقدية والأبحاث والأعمال الأدبية، وأمضيت جزءًا كبيرًا من حياتي بين الكتابة والنقد والتعليم والعمل الثقافي.
ولذلك لم تعد الجائزة بالنسبة إليّ هي معيار القيمة.
قد يفرح الإنسان بالتكريم، وهذا حق طبيعي، لكنني لم أعد أستطيع أن أجعل جائزة أو منحة مقياسًا لقيمتي ككاتب.
فالكتابة بالنسبة إليّ كانت وستظل فعلًا من أفعال المقاومة.
مقاومة النسيان.
مقاومة التزييف.
مقاومة الرداءة.
ومقاومة فكرة أن يصبح الاعتراف المؤسسي هو الدليل الوحيد على وجود المبدع.
ومع ذلك، فإنني أطالب بشيء بسيط، وربما لا يتطلب أكثر من الشفافية:
إذا أُعلن اسم شخص ضمن الفائزين، ثم حُذف، فمن حقه أن يعرف لماذا.
وإذا أُعلن لكاتب أنه من ضمن المرشحين لمنحة، ثم ظهرت القوائم النهائية ولم يكن اسمه موجودًا، فمن حقه أن يعرف: هل كان مرشحًا بالفعل؟ ومن رشحه؟ ومتى؟
وما الجهة التي قدمت اسمه؟
وما الذي حدث للترشيح بعد ذلك؟
وإذا كان الترشيح قد تم فعلًا بقصد المساعدة الإنسانية لكاتب يعيش ظروفًا بالغة القسوة، فإن الأمر يصبح أكثر حساسية، لأن المسألة لا تتعلق فقط بالتنافس الثقافي، وإنما بإنسان كان ينتظر يدًا تمتد إليه في وقت شديد الصعوبة من حياته.
هذه ليست مطالب شخصية.
إنها أسئلة تتعلق بصورة المؤسسة الثقافية نفسها.
فالشفافية لا تعني أن يفوز الجميع.
الشفافية تعني أن يعرف الجميع كيف يفوز البعض ولماذا لا يفوز الآخرون، وكيف دخلت الأسماء إلى قوائم الترشيح وكيف خرجت منها.
أما أنا، فقد وصلت إلى قناعة شخصية ربما تبدو قاسية:
لم تعد الجائزة تعنيني كما كانت تعنيني من قبل، ولم يعد النشر وحده قادرًا على منح الكتابة قيمتها، ولم يعد التصفيق معيارًا للحقيقة.
ما يعنيني الآن هو أن أظل قادرًا على النظر إلى نفسي في المرآة دون خجل.
أن أكتب ما أراه حقًا.
أن أنتقد ما أراه خطأً.
أن أنصف من يستحق الإنصاف.
وأن أختلف مع من أختلف معه دون أن أبيع ضميري.
فماذا تفيد الجائزة إذا خسر الإنسان نفسه؟
وماذا يفيده أن تزدحم سيرته بشهادات التكريم إذا كان يعرف في داخله أنه صمت عن ظلم رآه؟
لقد تعلمت أن راحة الضمير أوسع من قاعة احتفال، وأن كرامة الكاتب أكبر من شهادة معلقة على جدار، وأن قيمة الإنسان لا يحددها ختم مؤسسة ولا قرار لجنة.
ومع ذلك، ستظل المؤسسات الثقافية مطالبة بأن تكون على قدر الاسم الذي تحمله، لأن الجوائز والمنح التي تقدمها مؤسسات الدولة والمؤسسات الثقافية ليست ملكًا لأحد، وإنما هي جزء من منظومة العدالة الثقافية والاجتماعية.
ومن حق الأجيال القادمة أن تجد منظومة أكثر وضوحًا وعدلًا وشفافية.
أما أنا، فسأواصل الكتابة.
ربما بلا جائزة.
وربما بلا منحة.
وربما بلا تصفيق.
لكنني سأكتب.
لأن الكاتب الحقيقي لا ينتظر دائمًا أن تقول له المؤسسة: أنت مهم.
أحيانًا يكفيه أن يعرف هو، بعد كل هذه السنوات، أنه لم يخن قلمه، ولم يبع ضميره، ولم يتخلَّ عن كرامته.
لم تكن الجائزة هي القضية أصلًا؛ كانت القضية أن يعرف الكاتب أن اسمه، وتعبه، وكرامته، وحقه في الحقيقة، ليست أشياء قابلة للمحو.
وهذا، في النهاية، هو التكريم الذي لا يستطيع أحد أن يسحبه بعد ساعتين.

تعليقات
إرسال تعليق