أن تربح نفسك قبل أن تربح العالم
أن تربح نفسك قبل أن تربح العالم
حسن غريب أحمد
في حياة الإنسان أشياء كثيرة يمكن تعويضها.
قد يخسر مالًا فيكسب غيره، وقد يفقد عملًا فيجد عملًا آخر، وقد يسقط من مكانة فيستعيدها، وقد تنتهي مرحلة لتبدأ بعدها مرحلة جديدة.
لكن هناك أشياء إذا خسرها الإنسان يصبح تعويضها بالغ الصعوبة، وربما يستحيل؛ وفي مقدمتها سلام النفس، وراحة الضمير، وكرامة الإنسان أمام ذاته.
فالمال، مهما بلغت قيمته، لا يستطيع أن يشتري نومًا هادئًا إذا كان الضمير قلقًا، ولا يستطيع أن يمنح الإنسان طمأنينة حقيقية إذا كان يعيش في صراع دائم مع نفسه. قد يفتح المال أبوابًا كثيرة، لكنه يعجز عن فتح باب واحد في داخل الإنسان إذا كان هذا الباب قد أغلقه الخوف أو الندم أو الإحساس بالذنب.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: نحن نعيش في زمن يُقاس فيه النجاح غالبًا بما نملك، بينما قد يكون النجاح الحقيقي في قدرتنا على ألا نفقد أنفسنا ونحن نسعى إلى امتلاك المزيد.
المال... وسيلة لا ينبغي أن تتحول إلى سيد
لا أحد يستطيع إنكار أهمية المال في حياة الإنسان.
فهو يوفر حاجاته الأساسية، ويمنحه قدرًا من الاستقرار والاستقلال، ويساعده على تحقيق كثير من طموحاته.
لكن المشكلة لا تكمن في المال، وإنما في عبودية المال.
حين يصبح المال غاية نهائية، يبدأ الإنسان في دفع أثمان لا تظهر في الحسابات المصرفية.
قد يدفع من وقته، ومن علاقاته، ومن صحته النفسية، وربما من كرامته ومبادئه.
وقد يكتشف بعد سنوات أنه نجح في جمع الكثير، لكنه خسر في الطريق أشياء أكثر قيمة مما جمع.
فما قيمة الثروة إذا كان صاحبها لا يستطيع أن يثق بمن حوله؟ وما قيمة المنصب إذا كان يحتاج إلى التنازل عن احترامه لنفسه من أجل الحفاظ عليه؟
وما قيمة إعجاب الآخرين إذا كان الإنسان في أعماقه لا يشعر بالرضا عن نفسه؟
إن المال يستطيع أن يجعل الحياة أكثر سهولة، لكنه لا يستطيع وحده أن يجعلها أكثر معنى.
الضمير... ذلك الصوت الذي لا يمكن إسكاتُه
يمكن للإنسان أن يخدع الآخرين، وقد ينجح في تبرير أخطائه أمام المجتمع، وربما يقنع من حوله بأنه لم يخطئ.
لكن هناك شخصًا واحدًا يصعب خداعه: الإنسان نفسه.
الضمير لا يحتاج إلى محكمة كي يحاكمنا، ولا إلى شهود كي يذكّرنا بما فعلنا.
يكفي أن نكون وحدنا حتى تبدأ الأشياء التي حاولنا دفنها في الظهور من جديد.
قد ينسى الآخرون موقفًا أسأنا فيه إلى أحد، لكننا قد لا ننساه. وقد يغفر لنا شخص ظلمناه، لكننا قد نحتاج إلى سنوات حتى نغفر لأنفسنا.
ولهذا فإن راحة الضمير ليست ترفًا أخلاقيًا، وإنما هي شكل من أشكال السلام الداخلي.
فالإنسان الذي يعيش متوافقًا مع مبادئه قد يواجه صعوبات كثيرة، لكنه يظل قادرًا على النوم دون أن تطارده الأسئلة القاسية.
أما الذي يخون قناعاته من أجل مصلحة عابرة، فقد يحصل على ما يريد، لكنه قد يدفع ثمنه من داخله.
الكرامة... آخر ما ينبغي أن نساوم عليه
هناك أشياء يمكن للإنسان أن يتنازل عنها دون أن يفقد ذاته، وهناك أشياء إذا تنازل عنها فقد جزءًا من إنسانيته.
الكرامة واحدة من هذه الأشياء.
والكرامة لا تعني الغرور، ولا تعني رفض المساعدة، ولا تعني أن يعيش الإنسان منعزلًا عن الآخرين. الإنسان يحتاج إلى الناس، كما يحتاج الناس إليه.
لكن الكرامة تعني ألا يتحول الاحتياج إلى إذلال، وألا تتحول المصلحة إلى بيع للمواقف، وألا يصبح المال سببًا في إهانة الإنسان لنفسه.
قد يقبل الإنسان مساعدة الآخرين وهو محتفظ بكرامته، وقد يرفض مالًا كثيرًا إذا شعر أن وراءه ثمنًا أخلاقيًا لا يستطيع دفعه.
وهنا يصبح الرفض أحيانًا أكثر قيمة من القبول.
فليس كل ما يُعرض علينا مكسبًا، وليس كل ما نخسره خسارة.
القناعة ليست استسلامًا
كثيرون يخلطون بين القناعة والاستسلام.
القناعة لا تعني أن يتخلى الإنسان عن طموحه، ولا أن يرضى بالفقر أو الظلم أو الفشل، ولا أن يتوقف عن محاولة تحسين حياته.
القناعة تعني شيئًا آخر: أن تسعى إلى الأفضل دون أن تكره حياتك لأنك لم تصل إليه بعد.
يمكن للإنسان أن يحلم ببيت أفضل، وعمل أفضل، وحياة أفضل، وأن يعمل من أجل ذلك كله، لكنه في الوقت نفسه يستطيع أن يرى قيمة ما لديه الآن.
فالطموح يدفعنا إلى الأمام، والقناعة تمنعنا من أن نتحول إلى أسرى لما نريد.
والمشكلة تبدأ عندما يصبح الإنسان عاجزًا عن الاستمتاع بما يملك لأنه منشغل دائمًا بما ينقصه.
عندها تتحول الحياة إلى قائمة طويلة من الرغبات المؤجلة، ويصبح الوصول إلى كل هدف بداية لهدف آخر، دون أن يصل الإنسان في النهاية إلى الشعور الذي كان يبحث عنه.
أن تقبل ما لا تستطيع تغييره
جزء كبير من تعب الإنسان يأتي من مقاومة أشياء لا يستطيع تغييرها.
نحزن على ماضٍ انتهى، ونحاول استعادة أشخاص اختاروا الرحيل، ونستهلك أعصابنا في التفكير في كلام قيل وانتهى، ونحاول تغيير آراء أشخاص لا يريدون أن يغيروا مواقفهم.
لكن الحياة لا تمنحنا دائمًا ما نريد.
والنضج الحقيقي يبدأ عندما ندرك الفرق بين ما يمكن تغييره وما يجب أن نتعلم كيف نتعايش معه.
قبول الواقع لا يعني الاستسلام له.
أن تقبل خسارة حدثت لا يعني أن تتوقف عن الحياة.
وأن تقبل رحيل شخص لا يعني أن تنكر قيمته.
وأن تقبل أن الماضي لا يعود لا يعني أن المستقبل مغلق.
إن القبول في بعض الأحيان ليس هزيمة، وإنما تحرير للنفس من معركة لا يمكن الانتصار فيها.
لا تجعل الآخرين يحددون قيمتك
من أكثر الأشياء التي تستنزف الإنسان أن يجعل قيمته مرتبطة برأي الآخرين فيه.
يريد أن يرضي الجميع، وأن يحصل على إعجاب الجميع، وأن يثبت للجميع أنه ناجح.
لكن الحقيقة أن إرضاء الجميع مهمة مستحيلة.
سيحبك بعض الناس، وسيختلف معك آخرون، وسيظلمك البعض، وقد يمدحك من لا يعرفك، وقد يهاجمك من لا يفهمك.
ولو جعل الإنسان صورته في أعين الآخرين معيارًا لقيمته، فسوف يعيش طوال حياته أسيرًا لهم.
أما حين يعرف الإنسان قيمته، ويعرف أخطاءه كما يعرف نقاط قوته، ويستطيع أن يعترف بفشله دون أن يحتقر نفسه، فإنه يبدأ في امتلاك نوع نادر من الحرية:
حرية ألا يعيش وفق توقعات الآخرين.
ما الذي يبقى في النهاية؟
في النهاية، لا يبقى المال وحده.
ولا يبقى المنصب.
ولا تبقى الشهرة.
ولا تبقى الألقاب.
تبقى آثارنا في نفوس من عرفونا، وتبقى الطريقة التي عشنا بها، والقرارات التي اتخذناها، والأشخاص الذين أحببناهم، والضمير الذي حافظنا عليه أو خذلناه.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: كم امتلكت؟
بل: كم خسرت من نفسك وأنت تحاول أن تمتلك؟
وليس: كم شخصًا أعجب بك؟
بل: هل كنت قادرًا على احترام نفسك؟
وليس: هل انتصرت دائمًا؟
بل: هل انتصرت في اللحظة التي كان عليك فيها أن تختار بين مصلحتك وضميرك؟
هذه هي الأسئلة التي تكشف القيمة الحقيقية للإنسان.
الثروة التي لا تُسرق
قد يخسر الإنسان مالًا، ثم يعوضه.
وقد يخسر بيتًا، فيبني بيتًا آخر.
وقد يفقد وظيفة، فيجد غيرها.
لكن أن يخسر احترامه لنفسه، وأن يعيش بقية عمره وهو يعرف أنه باع مبدأه من أجل منفعة، أو ظلم إنسانًا من أجل مكسب، أو خان صديقًا من أجل مصلحة، فهذه خسارة لا يعوضها المال.
لهذا فإن راحة الضمير ليست مجرد شعور جميل، وإنما هي ثروة حقيقية.
والكرامة ليست ترفًا يمكن الاستغناء عنه عند الحاجة.
والقناعة ليست عجزًا عن الطموح.
والرضا ليس استسلامًا للحياة.
إنها جميعًا أشكال مختلفة من الحكمة التي تجعل الإنسان قادرًا على أن يعيش دون أن يتحول إلى عبد لما يملك، أو أسير لما فقد، أو رهينة لما يقوله الآخرون.
وفي عالم يزداد فيه التنافس على المال والمكانة والصورة الاجتماعية، ربما نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى أن نسأل أنفسنا:
ماذا لو كان أغلى ما نملكه ليس ما في جيوبنا، وإنما ما في ضمائرنا؟
فقد ينام الفقير وهو مطمئن، وقد يستيقظ الغني وهو مذعور.
وقد يعيش الإنسان بقليل من المال، لكنه غني بالسكينة.
وقد يمتلك آخر كل شيء، لكنه يفتقد الشيء الوحيد الذي لا يستطيع شراءه:
راحة البال.
وفي نهاية الطريق، حين تهدأ ضوضاء الحياة، قد لا يكون أعظم انتصار حققناه أننا امتلكنا الكثير، وإنما أننا لم نفقد أنفسنا ونحن نبحث عن الكثير.
فأجمل ما يمكن أن يربحه الإنسان في هذه الحياة ليس أن يربح العالم كله، وإنما أن يخرج من معاركه محتفظًا بنفس
ه، وكرامته، وضميره، وقدرته على أن يقول في هدوء:
لقد خسرت أشياء كثيرة، لكنني لم أخسر نفسي.


تعليقات
إرسال تعليق