هيبة المهنة أم سطوة المظهر ؟

 هيبة المهنة أم سطوة المظهر؟

في جدلية الحرية الشخصية والانضباط المهني داخل التعليم الطبي


بقلم: حسن غريب أحمد 



تبدو بعض الوقائع، في ظاهرها، صغيرة وعابرة، لكنها تكشف عند تأملها عن أسئلة ثقافية واجتماعية أعمق من حدود الواقعة نفسها. ومن بين هذه الوقائع الجدل الذي قد يثار حول مظهر طالب أو طالبة في كلية الطب، ومدى ملاءمة هذا المظهر لما يفترض أن تتمتع به المهنة الطبية من هيبة وانضباط.

وقد يبدو السؤال للوهلة الأولى بسيطًا: هل يحق لطالب الطب أن يختار مظهره كما يشاء، أم أن طبيعة المهنة تفرض عليه نمطًا معينًا من السلوك والملبس؟

غير أن السؤال الأكثر أهمية ليس: كيف يبدو الطبيب؟ وإنما: ما الذي يجعل الطبيب جديرًا بالثقة؟

فإذا كان المظهر المهني جزءًا من منظومة الانضباط، فإن اختزال المهنة فيه يمثل اختزالًا خطيرًا لمفهوم الاحتراف نفسه؛ إذ إن الطب في جوهره ممارسة معرفية وأخلاقية وإنسانية، قبل أن يكون مظهرًا اجتماعيًا أو صورة نمطية.

المظهر بوصفه لغة مهنية

لا يمكن إنكار أن المظهر يؤدي وظيفة تواصلية داخل المهن المختلفة. فالملابس المهنية قد تساعد في تحديد الأدوار، وتوفير قدر من الثقة، وتعزيز الإحساس بالنظام، فضلًا عن ارتباط بعض أشكال الزي الطبي بمتطلبات النظافة والسلامة ومكافحة العدوى.

ولهذا فإن مطالبة المؤسسات الطبية طلابها وأطباءها بالالتزام بقواعد محددة في الزي والمظهر ليست في ذاتها انتقاصًا من الحرية الشخصية، متى كانت هذه القواعد واضحة ومعلنة ومرتبطة بالفعل بطبيعة العمل.

فالحرية الشخصية لا تعني إلغاء القواعد داخل المؤسسات.

الطالب في حياته الخاصة يملك مساحة واسعة لاختيار مظهره، لكنه عندما يدخل إلى قاعة التدريب أو المستشفى التعليمي يصبح جزءًا من مؤسسة لها قواعدها، ويتعامل مع مرضى لهم حقوقهم وخصوصيتهم.

وهنا يصبح الالتزام المهني واجبًا لا لأنه يريد إلغاء شخصية الفرد، وإنما لأن المهنة تفرض مسؤوليات تتجاوز الفرد نفسه.

لكن الخطر يبدأ عندما ننتقل من هذه القاعدة الموضوعية إلى معيار أكثر غموضًا: معيار «الاحتشام» أو «الهيبة» كما يراه كل شخص وفق ذوقه وثقافته ومخزونه الاجتماعي.

فما هو مهني وفق لائحة مكتوبة يمكن قياسه ومراجعته، أما ما هو «لائق» وفق الأذواق الشخصية فقد يتحول إلى سلطة اجتماعية لا حدود لها.

من اللائحة إلى الوصاية

ثمة فارق جوهري بين تطبيق لائحة مهنية وبين فرض وصاية اجتماعية على الأفراد.

إذا كانت الجامعة قد وضعت قواعد واضحة للمظهر داخل المستشفى، فإن المسألة إدارية ومهنية في المقام الأول: مخالفة تقابلها إجراءات محددة، ويجب أن تطبق على الجميع دون تمييز.

أما إذا لم توجد قاعدة واضحة، ثم تُرك الأمر لتقدير الأفراد، فإننا ننتقل من مجال القانون المؤسسي إلى مجال الذوق الشخصي.

وهنا تبرز إشكالية العدالة.

هل يحاسب الطالب والطالبة على المظهر نفسه بالمعايير ذاتها؟

هل تطبق القاعدة على الجميع؟

هل يعرف الطلاب مسبقًا ما هو المسموح وما هو الممنوع؟

وهل توجد آلية للتظلم والمراجعة؟

هذه الأسئلة أكثر أهمية من الصورة نفسها؛ لأنها تنقل النقاش من الانفعال إلى مفهوم الحوكمة المهنية.

فالجامعة ليست مكانًا لتطبيق الأذواق الشخصية، وإنما مؤسسة يفترض أن تعمل وفق قواعد معلنة وقابلة للمراجعة.

الطبيب ليس صورة فوتوغرافية

المشكلة الأعمق في الجدل حول مظهر طالب الطب تكمن في النزوع إلى بناء حكم كامل على الإنسان انطلاقًا من علامة واحدة.

وهذا شكل من أشكال الاختزال الاجتماعي.

فحين نرى صورة لطالب أو طبيب، ثم نستنتج منها أنه غير منضبط أو غير أخلاقي أو غير جدير بالمهنة، فإننا نمارس نوعًا من الحكم المسبق الذي لا يستند إلى معيار علمي.

قد يكون المظهر مخالفًا للائحة، وهذه مخالفة يمكن إثباتها.

لكن هل يمكن للمظهر وحده أن يثبت ضعف المستوى العلمي؟

هل يمكن أن يخبرنا عن القدرة على التشخيص؟

هل يكشف عن مهارة الطبيب في التعامل مع الحالات الحرجة؟

هل يخبرنا عن رحمته بالمريض؟

هل يكشف عن أمانته المهنية؟

بالطبع لا.

ولهذا فإن المظهر يمكن أن يكون مؤشرًا على الالتزام بقاعدة محددة، لكنه لا يمكن أن يكون مقياسًا شاملًا للكفاءة الطبية.

وهذه التفرقة ضرورية حتى لا يتحول النقد المشروع إلى تنميط اجتماعي.

الأخلاق الطبية أوسع من الملابس

عندما نتحدث عن أخلاقيات الطب، فإننا نتحدث عن منظومة واسعة تتضمن احترام استقلال المريض، والحفاظ على السرية، وتجنب الإضرار، والسعي إلى مصلحة المريض، والعدالة، والكفاءة المهنية.

وقد أصبحت هذه المبادئ جزءًا أساسيًا من الخطاب العالمي حول أخلاقيات الممارسة الطبية، كما يظهر في مبادئ الجمعية الطبية العالمية المتعلقة بأخلاقيات مهنة الطب.

وهذا يعني أن أخلاقيات الطبيب لا تختزل في مظهره.

فالطبيب الذي يرتدي أكثر الملابس أناقة لكنه يهمل مريضًا، أو يفشي سره، أو يتعامل معه بتعالٍ، أو يصف علاجًا بلا معرفة كافية، لا يمكن اعتباره مهنيًا لمجرد أنه حسن المظهر.

وفي المقابل، فإن الطبيب الذي يلتزم بقواعد السلامة والزي المهني، ويتمتع بالعلم والكفاءة والرحمة والمسؤولية، هو الذي يجسد المعنى الحقيقي للمهنة.

إن الأخلاق الطبية سلوك قبل أن تكون مظهرًا.

بين «الحرية الشخصية» و«المسؤولية المهنية»

يستخدم البعض عبارة «هذه حرية شخصية» للدفاع عن أي مظهر، بينما يستخدم آخرون عبارة «هيبة المهنة» لتبرير التدخل في كل تفاصيل المظهر.

والحقيقة أن الطرفين قد يخطئان إذا أخذا المسألة بصورة مطلقة.

فالحرية الشخصية ليست مطلقة داخل المؤسسات، كما أن هيبة المهنة ليست تفويضًا مفتوحًا لمراقبة أجساد الناس وأذواقهم.

هناك مساحة خاصة للفرد.

وهناك مساحة مهنية تفرضها طبيعة العمل.

والحكمة تكمن في تحديد الحدود بينهما تحديدًا موضوعيًا.

فالملابس التي تعيق العمل أو تخالف قواعد مكافحة العدوى شأن مهني.

والزي المطلوب داخل غرفة العمليات شأن مهني.

والالتزام بمتطلبات السلامة شأن مهني.

أما تحويل الذوق الشخصي إلى معيار عام للحكم على الأخلاق والكفاءة، فليس بالضرورة شأنًا مهنيًا.

ومن هنا ينبغي أن تكون القاعدة: كل قيد على المظهر يجب أن يكون له مبرر مهني واضح، لا مجرد استجابة لمزاج اجتماعي أو ذوق شخصي.

لماذا ننفعل بالمظهر ونغفل جوهر التعليم؟

ربما تكشف ردود الفعل الحادة على مثل هذه الصور عن ظاهرة اجتماعية أوسع: سهولة محاسبة الفرد على ما تراه العين، وصعوبة مساءلة المؤسسات عن المشكلات التي تحتاج إلى بحث وأرقام ووقت.

صورة واحدة أسهل من مناقشة مستوى التدريب السريري.

وتسريحة شعر أسهل من مناقشة جودة المناهج.

والحديث عن ملابس طالب أسهل من السؤال عن مدى تأهيل الخريج لممارسة مهنة شديدة الحساسية.

ولهذا فإن النقاش حول مظهر طلاب الطب ينبغي ألا يحجب الأسئلة الأكثر جوهرية:

كيف يتم تدريب طلاب الطب؟

هل يحصلون على تدريب سريري كافٍ؟

كيف يتم تقييم مهاراتهم العملية؟

ما مستوى البحث العلمي في المؤسسات الجامعية؟

كيف نضمن استمرار التعليم الطبي والتطوير المهني بعد التخرج؟

كيف نحافظ على علاقة إنسانية سليمة بين الطبيب والمريض؟

هذه الأسئلة هي التي تحدد مستقبل المهنة.

أما الصورة، مهما كانت مثيرة للجدل، فلا تستطيع أن تجيب عنها.

لا ينبغي أن تتحول السوشيال ميديا إلى محكمة مهنية

من أخطر مظاهر العصر الرقمي أن مواقع التواصل الاجتماعي جعلت من السهل تحويل أي صورة إلى قضية عامة.

وقد يكون من حق المجتمع مناقشة الظواهر العامة، لكن هناك فارقًا بين النقد الاجتماعي وبين التشهير بالفرد.

عندما تتحول صورة شخص إلى مادة للسخرية والاتهام، فإننا لا نناقش المهنة فقط؛ وإنما نمارس ضغطًا اجتماعيًا على فرد قد لا نعرف ظروف الصورة أو سياقها أو حقيقة ما إذا كان قد خالف بالفعل أي لائحة.

ولهذا فإن المؤسسات المهنية هي الأقدر على التعامل مع المخالفات المهنية.

فالجامعة تعرف لوائحها.

والمستشفى يعرف قواعده.

والجهات المختصة تعرف حدود مسؤولياتها.

أما الجمهور، فله حق النقاش، لكن ليس من حقه أن يحل محل المؤسسة في إصدار الأحكام المهنية.

هيبة الطبيب تُبنى في غرفة الفحص

إن هيبة الطبيب الحقيقية لا تُصنع أمام المرآة، وإنما أمام المريض.

يصنعها الطبيب عندما يصغي إلى شكوى مريضه.

يصنعها عندما يحترم خصوصيته.

يصنعها عندما يعترف بحدود معرفته.

يصنعها عندما يبحث عن المعلومة بدل أن يتظاهر بالمعرفة.

يصنعها عندما يرفض استغلال حاجة المريض.

يصنعها عندما يظل يتعلم حتى بعد حصوله على الشهادة.

ويصنعها قبل ذلك كله عندما يدرك أن شهادة الطب ليست امتيازًا اجتماعيًا، وإنما تكليف ومسؤولية.

ولهذا فإن المجتمع لا يحتاج إلى طبيب يشبه الصورة التي يرسمها في خياله، بقدر ما يحتاج إلى طبيب يستطيع أن يحافظ على حياة الإنسان وكرامته.

نحو ثقافة مهنية أكثر نضجًا

ليس المطلوب أن نتخلى عن الانضباط، ولا أن نرفع شعار الحرية الشخصية لإلغاء القواعد المهنية.

المطلوب هو شيء أكثر نضجًا:

قواعد واضحة، ومهنية حقيقية، وتطبيق عادل، واحترام للخصوصية، ورفض للتشهير، وعدم الخلط بين المظهر والكفاءة.

فإذا كانت هناك لائحة للمظهر، فلنطبقها.

وإذا كانت اللائحة بحاجة إلى تطوير، فلنناقشها.

وإذا كان هناك تقصير في التعليم الطبي، فلنواجهه.

وإذا كانت هناك أزمة في أخلاقيات الممارسة، فلنبحث عن أسبابها.

لكن لا ينبغي أن نحمّل صورة واحدة أكثر مما تحتمل.

إن مستقبل الطب لا يتوقف على شكل الطبيب، وإنما على نوعية الإنسان الذي أصبح طبيبًا.

وهنا تكمن المفارقة: قد يستطيع المجتمع أن يفرض على الطبيب كيف يلبس، لكنه لا يستطيع بالملابس وحدها أن يصنع طبيبًا جيدًا.

فالطبيب الجيد لا تصنعه البدلة البيضاء وحدها، ولا المظهر المنضبط وحده، ولا الشهادة وحدها.

يصنعه العلم حين يقترن بالضمير، والمهارة حين تقترن بالمسؤولية، والسلطة الطبية حين تقترن بالرحمة.

وعند هذه النقطة تحديدًا، تصبح هيبة المهنة شيئًا أكبر من المظهر:

تصبح ثقة المريض في الإنسان الذي يقف أمامه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة