زانة .. سيرة أم وحكاية وطن صغير

 زانة... سيرة أم وحكاية وطن صغير


حسن غريب 



تمر الأعوام وتتبدل الوجوه والأماكن، لكن هناك أشخاصًا يظلون مقيمين في القلب لا يغادرونه أبدًا. وأمي "زانة" كانت واحدة من هؤلاء الذين لا تنتهي حكايتهم بالرحيل، بل تبدأ رحلة أخرى من الحضور في الذاكرة والوجدان.


لم تكن أمي امرأة مشهورة، ولم تكتب كتابًا، ولم تعتَلِ منبرًا، لكنها كانت تكتب كل يوم صفحة جديدة من كتاب الحياة. كانت تؤلف حكاياتها بالصبر، وتخط فصولها بالتضحية، وتزين سطورها بالمحبة التي لا تنتظر مقابلًا.


في بيتنا الصغير كانت هي الوطن كله. إذا ضاقت الدنيا اتسعت ابتسامتها، وإذا اشتدت المحن احتمينا بدعائها. كانت تعرف كيف تصنع من القليل كثيرًا، وكيف تهزم القسوة بالرضا، وكيف تمنح أبناءها الشعور بالأمان حتى وهي تحمل فوق كتفيها أعباء الحياة.


كبرنا ونحن نظن أن ما تفعله الأمهات أمر عادي، ثم اكتشفنا متأخرين أنهن يقمن بمعجزات يومية في صمت. يخفين آلامهن حتى لا نحزن، ويؤجلن أحلامهن حتى نحقق أحلامنا، ويمنحننا أعمارهن دون أن يشعرن بأنهن قدمن شيئًا يستحق الذكر.


لقد رحلت أمي عن الدنيا، لكن حضورها لم ينقطع. فما زلت أجدها في تفاصيل كثيرة؛ في كلمة طيبة، وفي موقف إنساني، وفي لحظات الضعف التي أستدعي فيها نصائحها وصبرها وحكمتها البسيطة التي كانت أعمق من كثير من الكتب.


وربما لهذا السبب ظل اسمها حيًا في وجداني حتى حملت روايتي اسمها. لم يكن الأمر مجرد عنوان لرواية، بل كان محاولة متواضعة للاحتفاظ بذكرى امرأة صنعت جزءًا كبيرًا من تكويني الإنساني والأدبي. فكل كاتب يحمل في داخله أشخاصًا ساهموا في تشكيل روحه، وكانت أمي أول هؤلاء وأعظمهم أثرًا.


إن الحديث عن الأم ليس حديثًا عن فرد من أفراد الأسرة، بل عن مدرسة كاملة في العطاء. والأم التي ترحل تترك خلفها فراغًا لا يملؤه أحد، لكنها تترك أيضًا ميراثًا من القيم والمحبة يظل ممتدًا في أبنائها ما بقيت الحياة.


رحم الله أمي زانة، تلك المرأة البسيطة العظيمة، التي لم تمت في قلوب أبنائها يومًا، والتي ما زالت تروي حكايتها بصمت من بين صفحات الذكريات. وإذا كانت الأوطان تُقاس بمقدار ما تمنحه لأبنائها من دفء وأمان، فقد كانت أمي وطنًا صغيرًا حملته معي أينما ذهبت، وما زلت أعيش على بعض دفئه حتى اليوم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة