الطعنة التي لا يتقنها إلا المقربون

 الطعنة التي لا يتقنها إلا المقربون

حسن غريب أحمد 


ليس كل جرحٍ يؤلم بالقدر نفسه، فهناك جراح تترك أثرًا في الجسد، وأخرى تترك ندوبًا في الذاكرة، لكن أقسى الجراح على الإطلاق هي تلك التي تأتي من أشخاص منحناهم ثقتنا ومحبتنا وأجزاءً من أعمارنا. فالعدو حين يؤذيك يؤدي دورًا متوقعًا، أما القريب حين يطعنك فإنه يهدم في داخلك معنى الأمان نفسه.

الصدمة الكبرى في حياة الإنسان لا تبدأ من الغرباء، بل من الدائرة الأقرب إليه؛ من أخٍ ظنه سندًا فإذا به يصبح عبئًا، ومن أبناء إخوة وأبناء أخت راحلة أحاطهم بالرعاية والمحبة، فإذا ببعضهم يرد الإحسان بالجحود. ومن أصدقاء عمرٍ تقاسم معهم سنوات طويلة من الأفراح والأحزان، حتى ظن أن الود صار جزءًا من التاريخ المشترك، فإذا بهم عند أول اختبار يختارون مواقعهم بعيدًا عنه.

وقد تمتد دائرة الخذلان إلى مساحة أكثر حساسية وأشد وجعًا، حين يأتي الجرح من بعض الأبناء الذين بذل الإنسان من أجلهم عمره وجهده وأحلامه، أو من زوجة شاركته رحلة الحياة بكل ما فيها من تعب وكفاح وأمل. عندها لا يشعر الإنسان بأنه خسر أشخاصًا فقط، بل يشعر وكأنه فقد جزءًا من نفسه كان يظنه ثابتًا لا يتغير.

ومع مرور الزمن يكتشف المرء أن صلة الدم لا تصنع بالضرورة الوفاء، وأن العشرة الطويلة لا تمنح أصحابها حصانة أخلاقية. فالمواقف وحدها هي التي تملك القدرة على كشف المعادن الحقيقية للناس. هناك من تجمعك به قرابة ولا يجمعك به موقف نبيل، وهناك من لا تربطك به سوى الإنسانية فيمنحك من الوفاء ما عجز عنه الأقربون.

لكن الخذلان، مهما كان قاسيًا، يحمل درسًا عميقًا. فهو يعلم الإنسان ألا يبالغ في تقديس الأشخاص، وألا يربط قيمته بما يمنحه الآخرون من تقدير أو جحود. فالذين يرحلون أو يؤذون يكشفون حقيقتهم هم، لا حقيقة من خذلوه. وما ينكسر في القلب قد يرممه الوعي، وما تهدمه الثقة العمياء قد تبنيه الحكمة من جديد.

إن الطعنة التي تأتي من المقربين لا تُنسى بسهولة، لكنها تكشف حقيقة مهمة: أن الوفاء خُلُق وليس قرابة، وأن المحبة موقف وليست مجرد كلمات، وأن الإنسان لا يُقاس بما يقوله عن نفسه، بل بما يفعله حين تتعارض مصالحه مع مبادئه.

ولهذا تبقى بعض الجراح شاهدة على مرحلة من العمر، لا لنعيش أسرى لها، بل لنتذكر أن أثمن ما نملكه ليس كثرة المحيطين بنا، بل صدق القليل الذين بقوا حين رحل الجميع، وثبتوا حين اهتز كل شيء.

فالطعنة التي لا يتقنها إلا المقربون قد تؤلم كثيرًا، لكنها تمنحنا البصيرة التي لا تمنحها سنوات طويلة من الثقة العمياء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة