قبل أن نبني داراً لرعاية الأدباء باتحاد الكتاب


قبل أن نبني دارًا لرعاية الأدباء


حسن غريب 



أثار حديث بعض الزملاء عن ضرورة إنشاء دار لرعاية الأدباء والكتاب في مصر كثيرًا من الأفكار والتساؤلات. والحقيقة أن الفكرة في جوهرها إنسانية نبيلة، وتعكس حرصًا على حفظ كرامة المبدع في سنوات العمر الأخيرة، حين تضعف الصحة وتتراجع القدرة على الحركة والعمل، ويصبح الإنسان في أمسّ الحاجة إلى الرعاية والاحتواء.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل المشكلة الحقيقية التي تواجه الأدباء اليوم هي غياب دار للرعاية؟ 

أم أن هناك مشكلات أكثر إلحاحًا وأشد إيلامًا تستوجب المعالجة أولًا؟

إن الرعاية لا تبدأ من جدران مبنى أو شقة مجهزة أو سرير مريح، بل تبدأ من الاهتمام الحقيقي بالإنسان وهو ما زال يعيش بيننا، يسمع ويرى ويتألم وينتظر من مؤسسته أن تمد له يد العون وقت الشدة.

وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أتحدث عن فكرة نظرية أو قضية عامة فحسب، بل عن تجربة شخصية عشتها وما زلت أعيشها. فقد عانيت وما زلت أعاني من مرض بالقلب وتدهور واضح في حالتي الصحية، وطرقت أبواب المسؤولين مرارًا، ورفعت المناشدات والطلبات حتى بحَّ صوتي، لكنني لم أجد الاهتمام الذي كنت أرجوه من الاتحاد الذي أنتمي إليه كعضو ومبدع.

وللأسف، لم يكن نصيبي من صندوق الخير سوى مبلغ محدود للغاية، لا يكاد يذكر أمام متطلبات العلاج وتكاليف الحياة المتزايدة. أما المعاش التقاعدي الذي طالبت به مرارًا، فقد ظل بعيد المنال تحت ذرائع وحجج لم أجد فيها ما يقنع أو يبرر هذا التجاهل.

ولست أكتب ذلك طلبًا لشفقة أو بحثًا عن تعاطف شخصي، وإنما لأطرح قضية أوسع تتعلق بمفهوم الرعاية نفسه. فكم من أديب أو شاعر أو باحث يعيش اليوم ظروفًا صحية أو اقتصادية قاسية؟ وكم من مبدع أفنى عمره في خدمة الثقافة والكلمة ثم وجد نفسه وحيدًا في مواجهة المرض والعجز؟

إن الحديث عن دار لرعاية الأدباء يصبح أكثر صدقًا عندما يسبقه نظام حقيقي للرعاية الاجتماعية والصحية، وصندوق دعم فعال، ومعاشات تحفظ الكرامة، ولجان متابعة تسأل عن المرضى وكبار السن من الأعضاء، وتتعامل معهم باعتبارهم قيمة إنسانية وثقافية لا مجرد أرقام في سجلات العضوية.

لا أحد يعترض على الحلم بدار رعاية للأدباء، بل إن الجميع يتمنى أن يرى هذا الحلم واقعًا يومًا ما. لكن قبل أن نفكر في استقبال المبدعين في سنواتهم الأخيرة داخل دار للرعاية، علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا قدمنا لهم وهم ما زالوا بيننا؟ وكيف حافظنا على كرامتهم أثناء مرضهم واحتياجهم؟

إن الوفاء الحقيقي للأديب لا يكون بعد أن يشتد عليه المرض أو يرحل عن الدنيا، بل يكون في حياته، حين يشعر أن المؤسسة التي ينتمي إليها تعرفه، وتقدره، وتقف إلى جواره في محنته.

فالرعاية ليست مكانًا نذهب إليه في نهاية العمر، بل موقف أخلاقي وإنساني يبدأ من السؤال، ويستمر بالدعم، وينتهي بحفظ الكرامة.

وهذا هو جوهر القضية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة