حبر أهدر في غير أهله
حبرٌ أُهدر في غير أهله
حسن غريب
أعترف اليوم، وبعد سنوات من القراءة والبحث والكتابة النقدية أن العطاء أحياناً يورث الندم لا سيما لو كان في غير أهله ومن لا يستحقون وأصحاب نكران الجميل والجاحدين ، وأنني أشعر بشيء من الندم.
ليس ندمًا على الجهد الذي بذلته، ولا على الساعات الطويلة التي قضيتها بين الكتب والنصوص، وإنما على أنني منحت بعض الأقلام ما لا تستحقه من وقتي واهتمامي وثقتي.
فقد كتبت عن عدد ليس بالقليل من الكُتّاب والكاتبات دراسات وقراءات نقدية تكاد تصل للآلاف ، وسهرت على مراجعة نصوصهم وتحليل أعمالهم، إيمانًا مني بأن الثقافة رسالة، وأن دعم المبدعين واجب أخلاقي قبل أن يكون نشاطًا نقديًا.
لكنني اكتشفت مع مرور الوقت أن بعض من كتبت عنهم لم يكونوا أهلًا لذلك الجهد وأن الغرور والكبرياء يتملك منهم وينسيهم الأصول والعرف الذي تربينا عليه .
وهناك قلة من راعى ظروفي الاجتماعية في وقت من الأوقات، ومدّ لي يد العون في صمت وحياء، فكان الوفاء له واجبًا قبل أن يكون اختيارًا.
وهؤلاء أكنّ لهم كل تقدير واحترام، لأن المواقف الإنسانية لا تُنسى مهما تعاقبت الأيام.
لكن هناك فئة أخرى جاحدة ومتعجرفة ، تعاملت مع ما كُتب عنها وكأنه حق مكتسب لا يستوجب حتى كلمة شكر. بعضهم أخذ الدراسات والقراءات ونشرها في مجلات إلكترونية أو ورقية، وبعضهم تجاهل الأمر تمامًا، وكأن الجهد المبذول لا قيمة له، أو كأن الوقت الذي استغرقته القراءة والبحث والكتابة لا يعني شيئًا.
ولست أطلب جزاءً ولا مكافأة، فالقيمة المادية ليست هي القضية.
إنما أتحدث عن أبسط قواعد الذوق والاحترام والاعتراف بالفضل. فكلمة "شكرًا" لا تُكلّف شيئًا، لكنها تعني الكثير. والثناء الصادق لا ينقص من قدر صاحبه، بل يرفعه. والاعتراف بجهد الآخرين فضيلة إنسانية وأخلاقية قبل أن يكون واجبًا اجتماعيًا.
لقد تعلمت من هذه التجربة أن النقد الحقيقي لا ينبغي أن يكون مدفوعًا بالمجاملات أو العلاقات أو التوقعات.
وأن الكاتب أو الباحث حين يكتب يجب أن يكتب إرضاءً لضميره أولًا، لا انتظارًا لكلمة ثناء من أحد.
فالناس معادن، ومنهم من يحفظ الجميل، ومنهم من يتجاوزه وكأنه لم يكن.
ومع ذلك، لا أحمل في قلبي ضغينة لأحد، ولا أندم على المعروف الذي قدمته، لأن المعروف لا يضيع عند الله. وما كتبته كان اجتهادًا صادقًا، وما بذلته كان نابعًا من قناعة وإيمان برسالة الثقافة.
إنها تجربة من تجارب العمر، كشفت لي وجوهًا كثيرة، وعلمتني أن الكلمة الصادقة أثمن من المجاملة، وأن الوفاء عملة نادرة في زمن أصبح فيه كثيرون يبحثون عما يأخذون لا عما يقدمون.
وأخيراً حين يتحول الإبداع إلى نكران جميل يبقى عزائي الأكبر أن ثواب ما قدمته محفوظ عند الله سبحانه وتعالى، فهو وحده الذي لا يضيع عنده أجر من أحسن عملًا، وهو خير من يُجازي على الإحسان، وإن جحده البشر أو تناسوه.

تعليقات
إرسال تعليق