الطابور الذي لم يأتِ
الطابور الذي لم يأتِ
بقلم : حسن غريب أحمد
في صباحه الأخير، وصل الأستاذ حسن إلى المدرسة قبل الجميع.
لم يكن يحمل حقيبة ممتلئة بالأوراق كما اعتاد طوال سنوات خدمته، بل كان يحمل بعض الكتب القديمة وصورة باهتة التقطت له قبل عقود مع أول دفعة من تلاميذه.
جلس في الفصل الخالي، وأخذ يتأمل السبورة.
هنا قضى أجمل سنوات عمره.
وهنا تعلم أن احترام الإنسان لا تمنحه المناصب، بل تمنحه رسالته.
تذكر يوم كان معلمًا للغة العربية، ثم يوم رُقي مديرًا لمدرسة بعد سنوات طويلة من الإخلاص والعمل.
يومها ظن أن الطريق صار أكثر اتساعًا، لكنه اكتشف أن بعض الطرق تضيق كلما تقدمت فيها.
لم يكن حسن يجيد الصمت أمام ما لا يقتنع به.
كان يناقش ويجادل ويطالب بالتفسير.
وكان يرى أن الوظيفة مسؤولية لا مجاملة.
لهذا صار مختلفًا.
ومع اختلافه بدأت رحلة التنقل.
من مدرسة إلى أخرى.
ومن قرية إلى أخرى.
ومن طريق طويل إلى طريق أطول.
وحين أصابت الجلطة ساقه، ظن أن سنوات خدمته ستشفع له ليعمل قريبًا من بيته، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
حتى زوجته التي ذهبت ذات يوم تشكو حاله عادت مكسورة الخاطر، وهي تردد عند باب الإدارة:
"حسبي الله ونعم الوكيل."
ومرت السنوات.
وفي عامه الأخير، اتخذ القرار الذي أراح قلبه.
تنازل بإرادته عن منصب المدير، وعاد معلمًا بين طلابه.
عاد إلى الطباشير والسبورة والكلمة.
عاد إلى المكان الذي أحب.
وفي يوم التقاعد، كان يعرف أن زملاء كثيرين سبقوه إلى المعاش فاستقبلتهم طوابير التكريم والهدايا والتصفيق.
أما هو، فلم يكن ينتظره أحد.
أنهى حصته الأخيرة.
رتب كتبه.
وأغلق باب الفصل خلفه.
خرج إلى فناء المدرسة فلم يجد طابورًا ولا وردًا ولا كلمات احتفاء.
كان المكان عاديًا كأي يوم آخر.
شعر بوخزة خفيفة في قلبه، لكنه لم يتوقف.
وعندما وصل إلى البوابة، سمع صوتًا يناديه:
ـ أستاذ حسن!
التفت.
فإذا بعدد من طلابه القدامى يقفون هناك.
شاب صار مهندسًا.
وآخر صار معلمًا.
وثالث يعمل طبيبًا.
جاؤوا دون دعوة، يحملون في ذاكرتهم دروسًا قديمة لم تنجح السنوات في محوها.
صافحوه واحدًا واحدًا.
وقال أحدهم:
ـ لم نجد هدية تليق بك يا أستاذ، لكننا جئنا لنقول شكرًا.
في تلك اللحظة شعر حسن أن كل ما فقده عاد إليه.
نظر إلى السماء، وابتسم ابتسامة هادئة.
ثم قال:
"يكفيني أنني لم أبع ضميري."
ومضى إلى بيته.
لا يحمل وسامًا، ولا شهادة تقدير، ولا هدية وداع.
بل يحمل شيئًا أثمن من ذلك كله...
احترام نفسه.

تعليقات
إرسال تعليق