المثقف بين الرسالة والوظيفة

 المثقف بين الرسالة والوظيفة

كيف تحوّل بعض أهل القلم إلى حرّاس للرداءة؟


حسن غريب 



يقول الشاعر فاروق شوشة عن قطيع الموالين من المثقفين:

خدمٌ... خدمْ

وإن تباهوا أنهم

أهل الكتاب والقلمْ

وأنهم في حلكة الليل البهيمِ

صانعو النورِ

وكاشفو الظلمْ

وأنهم ـ بدونهم ـ

لا تصلح الدنيا

ولا تفاخر الأممْ

ولا يعاد خلق الكون كلهِ

من العدمْ!

لكنهم خدمْ

بإصبعٍ واحدةٍ

يستنفَرون مثل قطعان الغنمْ

ويهطعون علّهم يلقون

من بعض الهبات والنعمْ

لهم، إذا تحركوا

في كل موقعٍ صنمْ

يكبرون أو يهللون حولهُ،

يسبحون باسمهِ، ويقسمون

يسجدون، يركعون

يمعنون في رياءٍ زائفٍ

وفي ولاءٍ متهمْ


لم تكن أزمة الثقافة في مصر يومًا أزمة مواهب أو نقص مبدعين، بقدر ما كانت أزمة ضمير ثقافي، وأزمة استقلال حقيقي للمثقف أمام السلطة والمصلحة والشللية والانتهازية.

ولهذا تبدو قصيدة فاروق شوشة، رغم مرور السنوات، كأنها كُتبت اليوم لا بالأمس، لأنها تضع إصبعها مباشرة على الجرح الأكثر قبحًا في الوسط الثقافي: سقوط بعض المثقفين من مقام الوعي إلى وظيفة التبعية.

حين يقول شوشة:

“لكنهم خدم”

فهو لا يطلق شتيمة عابرة، بل يصدر حكمًا أخلاقيًا وثقافيًا بالغ القسوة على نموذج من المثقفين الذين فقدوا جوهر دورهم الحقيقي.

المثقف في معناه العميق ليس موظف علاقات عامة، ولا طبّالًا رسميًا، ولا كائنًا انتهازيًا يتبدّل موقفه بحسب اتجاه الريح أو حجم المكاسب.

المثقف الحقيقي هو من يملك شجاعة المسافة، وقدرة الاعتراض، وحرية السؤال، حتى لو دفع ثمن ذلك عزلة أو إقصاء أو تهميشًا.

لكن ما الذي جرى؟

كيف تحوّل بعض من يفترض أنهم “أهل الكتاب والقلم” إلى مجرد أصوات مستأجرة للدفاع عن كل شيء، وتبرير أي شيء، والهجوم على أي رأي مستقل لا يدخل ضمن قطيع التصفيق؟

الحقيقة المؤلمة أن المشهد الثقافي المصري خلال سنوات طويلة أُصيب بمرض خطير:

تآكل الاستقلال الأخلاقي للمثقف.

صار كثيرون لا يتحركون وفق قناعة فكرية، بل وفق:

حسابات المكسب،

ورغبة الظهور،

والخوف من فقدان الامتيازات،

والطمع في المناصب واللجان والدعوات والسفريات والمجاملات المتبادلة.

ولهذا جاءت صورة “القطيع” عند فاروق شوشة دقيقة وموجعة في آن واحد.

فالقطيع لا يفكر، بل يستجيب.

ولا يناقش، بل يهطع.

ولا يراجع نفسه، بل يكرر الصوت الأعلى حوله.

وهنا تتحول الثقافة من فعل نقدي إلى طقس ولاء جماعي.

الأخطر من ذلك أن بعض المثقفين باتوا يمارسون نوعًا من “القداسة الزائفة” تجاه الأشخاص والمناصب، حتى أصبح الاختلاف مع مسؤول ثقافي أو شخصية نافذة يُعامل أحيانًا وكأنه خيانة أو جريمة أدبية، لا مجرد اختلاف مشروع في الرأي.

ولهذا استخدم شوشة صور:

“الصنم”،

و”التهليل”،

و”التسبيح”،

كي يفضح المبالغة المرضية في التقديس، وتحويل البشر إلى أيقونات فوق النقد والمساءلة.

والمفارقة الساخرة أن كثيرًا ممن يرفعون شعارات الحرية والتنوير هم أنفسهم أول من يضيق بأي صوت مختلف، وأسرع من يمارس الإقصاء المعنوي ضد كل من يرفض الانضمام إلى جوقة المديح.

لقد أصبح بعض المشهد الثقافي في مصر قائمًا على شبكة من:

المصالح،

والمجاملات،

والتحالفات الصغيرة،

والتصفيق المتبادل،

والشللية المغلقة.

أما المبدع الحقيقي المستقل، فيُترك غالبًا خارج الدوائر، لأنه لا يجيد الانحناء، ولا يملك مهارة التهليل، ولا يقبل أن يتحول إلى تابع.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية: أن الرداءة لم تعد مجرد ضعف إبداعي، بل تحولت أحيانًا إلى منظومة حماية متبادلة، يُكافأ داخلها المطيع، بينما يُحاصر المختلف أو يُشوَّه أو يُتجاهل.

ومع ذلك، تبقى القيمة الحقيقية لأي مشهد ثقافي في وجود الأصوات الحرة، لا الأصوات المرتبطة بالخوف أو المنفعة.

فالتاريخ لا يتذكر جوقات التصفيق، بل يتذكر من امتلكوا شجاعة الموقف، حتى وهم يدفعون ثمنها وحدهم.

ولهذا لا تزال قصيدة فاروق شوشة نصًا كاشفًا لا عن زمنه فقط، بل عن زمننا أيضًا؛ لأنها تطرح السؤال الأكثر إيلامًا:

هل بقي المثقف مثقفًا فعلًا؟

أم صار مجرد موظف ولاء يرتدي قناع التنوير؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة