لماذا تظل دعوة الصداقة معلقة؟ ؟
حين تظل دعوة الصداقة معلّقة: بين اللباقة الرقمية وأوهام النرجسية
حسن غريب
كاتب ناقد
لم تعد منصّات التواصل الاجتماعي مجرّد فضاء للترفيه أو تبادل الأخبار، بل تحوّلت إلى امتداد فعلي لعلاقاتنا الإنسانية، المهنية، والمعرفية.
ومن هنا، لم تعد “دعوة الصداقة” فعلًا عابرًا، بل صارت إشارة ذات دلالة، تحمل في طيّاتها رغبة في التواصل، أو تقديرًا متبادلًا، أو حتى محاولة لفتح أفق جديد للحوار.
لكن ماذا يعني أن تُرسل دعوة صداقة إلى كاتب أو كاتبة، وتظل هذه الدعوة معلّقة؟
لا قبول، ولا رفض، فقط صمت رقمي بارد؟
في الظاهر، قد يبدو الأمر بسيطًا: ربما لم يرَ الدعوة، أو لم يتفرغ بعد للرد، أو يفضّل تقليص دائرته الرقمية. هذه احتمالات واقعية لا يمكن إنكارها.
لكن حين يكون هناك سابق معرفة، أو لقاءات مباشرة، أو حتى تفاعل فكري وأدبي، فإن التعليق هنا يكتسب دلالة أخرى، أكثر التباسًا.
إن إبقاء الدعوة “معلّقة” هو، في أحد أوجهه، شكل من أشكال التعليق النفسي أيضًا. هو وضع الآخر في منطقة انتظار بلا إجابة، وهو ما قد يُفهم باعتباره تردّدًا، أو تجاهلًا غير مباشر، أو حتى نوعًا من التقييم الصامت: “لست مهمًا بما يكفي لأُحسم أمري تجاهك”.
ولا يمكن فصل هذا السلوك عن تحوّل أوسع أصاب طبيعة العلاقات على هذه المنصّات. فشيئًا فشيئًا، لم تعد وسائل التواصل مساحة للتلاقي الحر بقدر ما أصبحت، لدى البعض، سوقًا لتبادل المصالح.
تُفتح فيه الأبواب لمن يُنتظر منه نفع: دعوة إلى مؤتمر، أو مشاركة في ندوة، أو أمسية أدبية، أو فرصة للنشر في مجلة أو صحيفة.
وفي المقابل، تُغلق أو تُؤجَّل أمام من لا يبدو أنه يضيف “قيمة نفعية” مباشرة.
بل إن الأمر يتجاوز أحيانًا هذا الإطار المشروع إلى أنماط أكثر إرباكًا، حيث تتحوّل العلاقات إلى صفقات مبطّنة، أو مجاملات مشروطة، أو شبكات مغلقة لا تعمل إلا بمنطق الأخذ مقابل العطاء، وربما — في أسوأ حالاته — إلى تبادل مصالح غير نزيهة تسيء إلى فكرة الإبداع ذاتها، وتفرغها من معناها الأخلاقي.
في المقابل، هناك نماذج مضيئة من المبدعين والمبدعات، ممن يتعاملون مع هذا الفضاء بقدر من التواضع واللباقة.
يطّلعون على الحساب، يدركون التقاطعات المهنية أو الإبداعية، فيقبلون الدعوة دون تعالٍ، لأنهم ببساطة يدركون أن الإبداع لا يعيش في عزلة، وأن القيمة الحقيقية لا تحتاج إلى حواجز وهمية.
أما أولئك الذين يتعاملون مع أنفسهم بوصفهم “مراكز كونية”، فيحيطون حضورهم بأسوار من الغموض والتعالي، فهم في الغالب أسرى صورة ذهنية متضخمة، لا تعكس بالضرورة حجمهم الحقيقي. النرجسية الرقمية هنا لا تعبّر عن قوة، بل عن هشاشة تحتاج إلى تأكيد مستمر عبر الإقصاء والتجاهل.
لكن، هل يستحق الأمر كل هذا الانفعال؟
الحقيقة أن النضج الرقمي يقتضي إعادة ترتيب الأولويات.
ليس كل تجاهل إهانة، وليس كل صمت موقفًا متعمّدًا.
وفي الوقت نفسه، ليس من الضروري أن نُلاحق القبول أو نسعى للاعتراف من الجميع. فالعلاقات، حتى في الفضاء الافتراضي، تقوم على التبادل لا الاستجداء، وعلى الاحترام لا المنفعة وحدها.
ربما يكون الدرس الأهم هو أن الكرامة الشخصية لا تُقاس بزر “قبول”، وأن القيمة الإبداعية لا يمنحها أحد، بل تُبنى عبر التجربة والكتابة والاستمرار.
أما من يختار أن يترك الآخرين في منطقة التعليق، فليتحمّل أيضًا أن يبقى هو نفسه خارج دوائر كثيرة، لأن العلاقات — حتى الرقمية منها — لا تُبنى من طرف واحد.
في النهاية، ليست المشكلة في دعوة صداقة لم يُرد عليها، بل في المعنى الذي نمنحه لهذا الصمت، وفي الطريقة التي نُعيد بها تعريف حضورنا داخل هذا العالم: هل نريده فضاءً إنسانيًا مفتوحًا، أم مجرد شبكة مصالح عابرة؟
الإجابة، في كل الأحوال، تبدأ منّا.

تعليقات
إرسال تعليق