"غربال الضوء: حين يُنقّى العشق من ظلاله"
حسن غريب
ناقد باحث مصري
تنهض قصيدة "غربال الضوء" للشاعرة آمال صالح على بنيةٍ تأملية عميقة، تُزاوج بين التجربة الذاتية والامتداد الكوني، حيث لا يبدو النص مجرد تعبير عن حالة عاطفية عابرة، بل محاولة لإعادة تشكيل الوعي بعد تجربة انكسار، أو "سجن" رمزي يتجاوز دلالته المباشرة إلى أفقٍ وجودي أوسع.
منذ المطلع:
"حين خرجتُ من سجنك"
تؤسس الشاعرة ثنائية مركزية: السجن/التحرر، لكنها سرعان ما تُربك هذه الثنائية، إذ لا يقود الخروج إلى انفتاح مطلق، بل إلى شكّ وجودي:
"ظننتُ النهارَ سرابًا"
وهنا يتحول النهار، رمز الوضوح والحياة، إلى كيان مخاتل، فيما يُعاد إنتاج الليل بوصفه سجنًا آخر.
هذه المفارقة تُشير إلى أن القيد لم يكن خارجيًا فحسب، بل متغلغل في الإدراك نفسه.
تتجه اللغة بعد ذلك نحو التجريد الكثيف:
"يرتّل فراغًا / يفضي إلى بؤرةٍ / خارج الصوت والمدى"
وهي صياغة تُحيل إلى حالة من العزلة الوجودية، حيث يصبح الفراغ ذاته كيانًا طقسيًا، يُرتّل، أي يُمارس حضورًا رغم غيابه. والبؤرة هنا ليست مركزًا للامتلاء، بل نقطة انطفاء تتجاوز الحواس.
في المقطع التالي، تستدعي الشاعرة سؤال الوجدان:
"أين وجدانٌ يكتب حمرة العشق؟"
وهذا السؤال لا يبحث عن عاطفة جاهزة، بل عن قدرة الكتابة نفسها على إعادة خلق العشق. فـ"حمرة العشق" ليست مجرد لون، بل كثافة شعورية تتطلب وجدانًا قادرًا على إعادة تركيبها. وتتجلى شاعرية الصورة في:
"خيوطه البنفسجية / مع لهفة بحّار تائه"
حيث يمتزج اللون (البنفسجي بما يحمله من دلالات الحيرة والروحانية) مع حركة الضياع (البحّار التائه)، في تركيب بصري-وجداني غني.
تنتقل القصيدة تدريجيًا من الداخل إلى الخارج، من الذات إلى الكون، عبر صورة النجمة:
"أين ذلك البريق / لنجمة موعدها قريب؟"
فالنجمة هنا ليست بعيدة، بل "موعدها قريب"، بما يوحي بإمكانية الخلاص أو اللقاء. ويتجسد هذا اللقاء في صورة حميمية:
"تتشابك الأصابع حولها / وتعيد الوقت إلى دوران حميم"
وهي من أجمل صور النص، إذ يتحول الزمن من خطٍّ قاسٍ إلى دائرة دافئة، تعيد الإنسان إلى حالة التوازن.
في الذروة، تتسع الرؤية لتشمل الكون كله:
"وحين يسمعنا الكون"
وهي جملة تمنح الصوت الإنساني بعدًا كونيًا، وكأن التجربة الفردية تُصبح قابلة للإنصات الكوني. ومن هنا تتصالح العناصر:
"تلتقي الشمس بالعطر"
وهو لقاء بين المادي والحسي، بين الضوء والرائحة، في تداخل يُنتج حالة من الانسجام الشامل.
ثم تبلغ القصيدة لحظة تحول محورية:
"ويصير النور أقوى من كلّ المعارك الخاسرة"
هنا لا يُلغى الألم، بل يُعاد تأويله، إذ يتحول النور إلى قوة مقاومة، لا إلى حالة سكون.
ويتجلى ذلك في:
"يمسّ الليل القاسي / فيلين حدّه"
فالليل لا يختفي، بل يُروّض، ويتعلم "الإصغاء"، وهي استعارة دقيقة تُحيل إلى إمكانية التفاهم مع العتمة بدل الصراع معها.
أما الخاتمة، فهي ذروة رمزية لافتة:
"الكون أعار النهار غربالًا / ليصفو الضوء من ظلاله"
"غربال الضوء" هنا هو المجاز المركزي في النص، ويعكس فكرة التنقية، حيث لا يُرفض الظل، بل يُفصل عن النور ليظهر أكثر صفاءً. إنها رؤية ناضجة ترى أن النقاء لا يتحقق بإلغاء النقيض، بل بوعيه.
وتنتهي القصيدة بصورة شافية:
"ويُغلق الجرح على دفء العشق"
وهي خاتمة تُوحي بأن العشق ليس سبب الجرح فقط، بل أيضًا وسيلة التئامه، في دائرة شعورية مكتملة.
وفي خلاصة رؤيتي القرائية أقول:
تُقدّم الشاعرة آمال صالح نصًا غنيًا بالصور المركبة، قائمًا على جدلية الضوء/الظل، السجن/التحرر، الليل/النهار.
وتمتاز لغتها بالانزياح الهادئ والقدرة على توليد الدهشة دون افتعال.
إنها قصيدة عن إعادة تشكيل الذات عبر الألم، وعن الإيمان بأن النور، مهما تلطخ بالظلال، قابل لأن يُصفّى… إذا امتلكنا "غرباله".

تعليقات
إرسال تعليق