بين التصفيق والحوار لماذا ينتصر الكيف على الكم في الأمسيات الثقافية ؟

 بين التصفيق والحوار: لماذا ينتصر الكيف على الكم في الأمسيات الثقافية؟


حسن غريب 


ناقد شاعر 


في زمن تُقاس فيه الأشياء بالأرقام، وتُختزل القيمة في عدد الحضور، تبدو الأمسيات الشعرية والندوات الأدبية وكأنها ساحة استعراض لا مساحة تفاعل. 

غير أن الحقيقة التي يغفلها كثيرون هي أن الفعل الثقافي، في جوهره، لا يُبنى على الكم، بل على الكيف؛ على نوعية الحضور، ودرجة تفاعله، وعمق ما يُثار من نقاش.

إن أمسية شعرية يحضرها عشرة أشخاص فقط، لكنهم يقرأون بوعي، ويستمعون بإنصات، ويتحاورون بصدق، قد تكون أكثر ثراءً وتأثيرًا من قاعة مكتظة بمئات الوجوه التي جاءت بدافع المجاملة أو الفضول العابر. 

فالثقافة ليست جمهورًا يُحصى، بل عقولًا تتلاقى، وأرواحًا تتفاعل.

ولعلنا نرى ذلك بوضوح في واقعنا الثقافي؛ كم من ندوة أقيمت في مكتبة صغيرة أو مركز ثقافي محدود الإمكانات، حضرها عدد قليل من المثقفين، لكنها أنتجت حوارًا حقيقيًا، وأثارت أسئلة عميقة، وربما أفرزت مشروعًا فكريًا أو نصًا أدبيًا جديدًا؟ 

في المقابل، كم من مهرجان ضخم امتلأت مقاعده، لكنه انتهى دون أثر يُذكر، لأن الحضور كان مجرد رقم في سجل المنظمين؟

إن الفارق هنا ليس في عدد الكراسي المشغولة، بل في عدد العقول المتيقظة. فالحضور الذي لا يشارك، ولا يناقش، ولا يضيف، يتحول إلى ديكور بشري، يملأ الفراغ البصري دون أن يسهم في ملء الفراغ الفكري.

ولنا أن نتأمل طبيعة الحوار ذاته؛ ففي اللقاءات الصغيرة، تتكسر الحواجز بين المبدع والمتلقي، ويتحول النص من خطاب أحادي إلى مساحة مشتركة للتأويل. 

يُسائل الحاضرون الشاعر، يعترضون، يختلفون، يضيفون، فتتولد طبقات جديدة من المعنى. 

أما في القاعات المزدحمة، غالبًا ما يُختزل الأمر في إلقاء سريع وتصفيق عابر، بلا فرصة حقيقية للتفاعل.

إن الرهان الحقيقي لأي فعالية ثقافية لا ينبغي أن يكون: "كم حضر؟"، بل: "ماذا حدث؟". هل خرج الحضور بفكرة جديدة؟ 

هل تغيرت زاوية نظرهم؟ 

هل أُثيرت أسئلة تستحق التفكير؟ 

هذه هي المعايير التي تُقاس بها القيمة، لا عدد المقاعد الممتلئة.

بل إن التركيز على الكم قد يُفسد الفعل الثقافي ذاته، حين يتحول إلى سباق دعائي، تُستجلب فيه الحشود بأي وسيلة، حتى لو كان ذلك على حساب جودة المحتوى أو جدية النقاش.

 وهنا تفقد الأمسية روحها، وتتحول إلى حدث استهلاكي، لا يختلف كثيرًا عن أي تجمع عابر.

إن الثقافة الحقيقية تُشبه البذرة؛ لا تحتاج إلى حقل مزدحم بقدر ما تحتاج إلى تربة خصبة.

 وعدد قليل من الحضور الواعي قد يكون كافيًا لإنبات فكرة، أو إشعال شرارة إبداع، أو فتح أفق جديد.

من هنا، يصبح من الضروري إعادة النظر في معايير النجاح الثقافي. 

فليس النجاح أن تمتلئ القاعة، بل أن يمتلئ العقل. 

وليس الإنجاز أن يصفق الجميع، بل أن يفكر بعضهم بعمق.

في النهاية، يمكن القول بثقة: إن أمسية ناجحة بعشرة متفاعلين، خير من ألف صامتين.

 لأن الكيف هو الذي يصنع الأثر، وهو الذي يمنح الثقافة معناها الحقيقي، ويُبقيها فعلًا حيًا، لا مجرد رقم في سجل الحضور.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة