"بين وهم الاتكاء وحقيقة التوكّل: حين يُقوِّم الإيمان اعوجاج الروح"

 

"بين وهم الاتكاء وحقيقة التوكّل: حين يُقوِّم الإيمان اعوجاج الروح"


حسن غريب أحمد 

سارد شاعر ناقد 



في زمنٍ تتكاثر فيه الوسائط وتتشابك فيه المصالح، يظنّ الإنسان أنه كلما أحاط نفسه بالناس والضمانات ازداد ثباتًا، بينما الحقيقة أكثر مراوغةً مما يبدو. فالاتكاء على غير الله ليس إلا صورةً ناعمة للعرج؛ عرجٌ لا يظهر في الخطوة الأولى، بل يتسلّل في مسار الحياة كلّها، فيشوّه التوازن ويخلخل اليقين.

إن الاتكاء على البشر، مهما بدا مريحًا، يحمل في جوهره بذرة السقوط المؤجل. فالبشر متغيّرون، تحكمهم ظروفهم، وتعيد تشكيلهم مصالحهم، وتخذلهم طاقتهم المحدودة. ومن يجعل من المحدود مطلقًا، ومن العابر مستندًا، إنما يزرع هشاشته بيده، ويؤجّل انكساره إلى حينٍ لا ينفع فيه الندم.

غير أن هذه الفكرة لا تدعو إلى القطيعة مع الناس أو التنكّر لقيم التعاون، بل تعيد ترتيب المعنى: أن يكون البشر وسائل لا غايات، جسورًا لا مساكن، وأن يظل القلب معلّقًا بمصدر الثبات الحقيقي. فالتوكّل ليس انسحابًا من العالم، بل حضورٌ فيه بروحٍ أكثر توازنًا؛ نأخذ بالأسباب دون أن نذوب فيها، ونعمل دون أن نؤلّه النتائج.

الإنسان الذي يتكئ على الله لا يفقد اتزانه حين تخذله الظروف، ولا ينكسر حين تتبدّل الوجوه. لأنه أدرك أن القوة ليست فيما يملك، بل فيمن يستند إليه. وهذا الإدراك يمنحه حريةً داخلية نادرة؛ حرية من الخوف، ومن الارتهان، ومن ذلك القلق الدائم الذي يلازم من يعلّق قلبه بما يتغيّر.

في المقابل، من يوزّع اعتماده على الآخرين، يظلّ موزّعًا معهم: إذا حضروا اطمأن، وإذا غابوا اضطرب، وإذا تغيّروا تاه. كأن حياته مرآة تعكسهم لا تعكسه، وكأن وجوده مشروط بوجودهم. وهنا يتحوّل الاتكاء إلى قيدٍ خفي، يقيّد الروح قبل أن يقيّد الواقع.

إن أعظم ما يكتسبه الإنسان حين يصحّح وجهة اتكائه، هو استعادة توازنه الداخلي. فبدل أن يكون عرجًا في مسيرته، يصبح ثابت الخطو، واضح الوجهة، لا ينهار بسقوط سندٍ بشري، ولا يتضخّم بوجوده. إنه يعيش علاقةً صحّية مع العالم: يعطي دون أن يستنزف، ويأخذ دون أن يستعبد.

في النهاية، ليست المشكلة في أن نحتاج، بل في أن نخطئ موضع الاحتياج. فحين يكون الله هو الأصل، يصبح كل ما سواه تفصيلًا، وحين يكون غيره هو الأصل، يصبح السقوط حتميًا وإن تأخّر. وبين هذا وذاك، تتحدّد ملامح الرحلة: إمّا عرجٌ مستمرّ، أو استقامةٌ تهدي إلى الطمأنينة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة