ظاهرة مدربي الكتابة الوهميين

 ظاهرة “مدرّبي الكتابة” الوهميين… حين تتحوّل الموهبة إلى سلعة


حسن غريب 


ناقد شاعر سارد 



لم تعد الكتابة في زمننا هذا مجرّد فعل إبداعي ينبع من معاناة التجربة وقلق المعرفة، بل تحوّلت—في بعض نماذجها—إلى “منتج سريع” يُسوَّق عبر ورش ودورات تحمل عناوين براقة من قبيل: “اكتب روايتك في أسبوع” أو “كن شاعرًا محترفًا خلال شهر”. هنا تبدأ الإشكالية، حين يختلط الشغف الحقيقي بالتزييف، ويتقدّم من لا يملكون سوى قدر يسير من الثقافة الأدبية ليتصدّروا المشهد بوصفهم “خبراء” و”مدرّبين”.

المشكلة ليست في فكرة الورش ذاتها، فهي في أصلها ممارسة ثقافية معتبرة، شهدت ازدهارًا في مؤسسات أكاديمية وأدبية رصينة، وأسهمت في صقل مواهب حقيقية. 

غير أن ما يحدث اليوم في كثير من الحالات هو تسليع فجّ للإبداع؛ حيث يتحوّل الحلم الأدبي لدى الشباب إلى فرصة استثمارية لدى بعض “المدرّبين” الذين يبيعون الوهم أكثر مما يقدّمون معرفة.

إن الكتابة، بخاصة في مجالات مثل القصة والرواية والشعر، ليست مهارة تقنية خالصة يمكن تلقينها عبر وصفات جاهزة، بل هي حصيلة معقّدة من القراءة العميقة، والتجربة الحياتية، والاحتكاك بالنصوص الكبرى، فضلًا عن وعي نقدي يتشكّل عبر الزمن.

 من هنا، فإن اختزالها في “كورس مكثف” يُفضي غالبًا إلى نتائج سطحية، نصوص متشابهة، وأصوات مقلّدة تفتقر إلى الخصوصية.

الأخطر من ذلك أن هذه الورش تُكرّس وهم “الكاتب السريع”، الذي لا يحتاج إلا إلى بعض “التكنيكات” ليصبح روائيًا أو شاعرًا. 

فيغيب الجهد الحقيقي، ويُستبدل بالتلقين، وتُختزل التجربة الإنسانية الثرية في قوالب جامدة. 

وهنا لا تكون الخسارة مادية فقط بالنسبة للمشاركين، بل معرفية وجمالية أيضًا.

ولا يمكن إغفال مسؤولية المتلقي نفسه؛ فبعض الراغبين في الكتابة يبحثون عن الطريق الأقصر، ويتوهّمون أن الإبداع يمكن شراؤه.

 هذه القابلية لتصديق الوهم تُغذّي استمرار الظاهرة، وتمنحها شرعية زائفة.

في المقابل، ثمة ورش جادة يقودها كتّاب ونقاد حقيقيون، تركز على القراءة، والتحليل، والنقاش، وتقديم ملاحظات نقدية عميقة دون ادّعاء صنع “نجوم” في وقت قياسي. الفرق بين النوعين واضح: الأولى تبيع الحلم، والثانية تفتح الطريق الشاق نحوه.

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالرفض المطلق لفكرة الورش، بل بإعادة الاعتبار لمعايير الجودة: من هو المدرّب؟ 

ما منجزه الحقيقي؟

 ما منهج الورشة؟ 

هل تركز على التفاعل والنقد أم على التلقين؟ 

وهل تعد بنتائج واقعية أم تروّج لأوهام؟

في النهاية، تبقى الكتابة فعلًا فرديًا شاقًا، لا يُختزل في دورة ولا يُشترى بثمن.

 يمكن للورش أن تكون عونًا، لكنها لا تصنع كاتبًا من العدم. الكاتب الحقيقي يُبنى ببطء، عبر القراءة، والتجربة، والانكسار، وإعادة المحاولة. أما من يبيعون الوهم، فمصيرهم—مهما طال الزمن—إلى انكشاف، لأن النص الجيد وحده هو ما يبقى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة