شهوة الكتابة بين غواية البوح وكسر الحدود

 الكتابة بين غواية البوح واستراتيجيات كسر الحدود

حسن غريب

كاتب وناقد


شهوة الكتابة ليست نزوة عابرة، بل قلقٌ عميق يسكن الكاتب، كجمرٍ تحت الرماد، لا يخبو إلا حين يُسكب على الورق. إنها رغبة ملحّة في القبض على المعنى قبل أن يتبدّد، وفي ملامسة ما لا يُقال، حتى لو اقتضى الأمر تجاوز الحدود المألوفة للغة والفكر والتجربة.

الكاتب الحقيقي لا يكتب لأنه يريد، بل لأنه لا يستطيع ألّا يكتب. ثمة قوة خفيّة تدفعه إلى اقتحام المناطق المحرّمة: محرّمات المجتمع، ومحرّمات الذات، وحتى محرّمات اللغة ذاتها. هنا تتحول الكتابة من فعلٍ جمالي إلى فعل وجودي، أشبه باعتراف مفتوح، أو محاولة لا تنتهي لفهم هذا الكائن المعقّد الذي نسميه “أنا”.

غير أن تجاوز الحدود في الكتابة ليس غاية في ذاته، بل هو نتيجة حتمية لصدق التجربة. فحين يكتب الكاتب بعمق، يجد نفسه في مواجهة أسئلة لا ترضى بالإجابات الجاهزة، ومشاعر لا تقبل التهذيب أو التجميل. ومن هنا تبدأ المغامرة: البقاء داخل الأطر الآمنة، أم المجازفة بما قد يكلّفه ذلك من سمعةٍ وعلاقاتٍ وربما سلامٍ داخلي؟

في هذه اللحظة تتجلّى شهوة الكتابة في ذروتها؛ بوصفها جرأة على قول ما يخشاه الآخرون، وسعيًا لتفكيك المسكوت عنه، مهما بدا صادمًا أو مقلقًا. إنها شهوة معرفية وروحية، لا جسدية؛ شهوة لاكتشاف ما وراء الأقنعة، وما يتوارى خلف اللغة المألوفة.

غير أن لهذا التجاوز ثمنه. فكل نص صادق يقتطع شيئًا من روح صاحبه، وكل اعتراف حقيقي يعرّي الداخل على نحوٍ لا رجعة فيه. ومع ذلك، يواصل الكاتب فعل الكتابة، لأن التوقّف شكلٌ من أشكال الخضوع، ولأن الصمت يعني انطفاء تلك النار التي تمنحه معنى وجوده.

هكذا تغدو الكتابة ليست ترفًا، بل مخاطرة واعية، ورغبة عصيّة على الترويض؛ فعل تمرّد هادئ، وصراع دائم بين ما يجب قوله وما يمكن احتماله. وفي قلب هذا التوتر، تولد النصوص التي تملك القدرة على البقاء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة