“دوائر مغلقة وكلمات ضائعة: فضح الصمت والمكافآت في بعض المنابر الثقافية

“دوائر مغلقة وكلمات ضائعة: فضح الصمت والمكافآت في بعض المنابر الثقافية”

حسن غريب 
ناقد روائي شاعر 



في عالم الثقافة، يفترض أن يكون المنبر مساحة حية، تستوعب تعدد الأصوات وتفتح آفاق الإبداع.
 لكن بعض المجلات العربية، وعلى رأسها ، تتحول إلى دوائر مغلقة، تتكرر فيها أسماء بعينها، بينما يُترك الآخرون في صمت يذكّر بالاغتراب الثقافي.
النصوص تُرسل، وتُترك بلا رد، وكأن الكاتب قادم من كوكب آخر. 
وفي حالات أخرى، يتم منح موافقات أولية، ثم يطول الانتظار لأشهر وربما سنوات، قبل أن يكتشف الكاتب أن نصه قد ضاع في أدراج النسيان، كأنه لم يكن.
 هذه المماطلة ليست مجرد خلل إداري، بل فقدان للعدالة والقيمة المهنية، إذ تتحول وعود النشر إلى أوهام، والكلمة المرسلة إلى مادة بلا وزن.
الأمر يتضاعف حين تصل المكافآت المالية إلى فئة محددة ودائمة، نفس الأسماء تتلقى الدعم المستمر، بينما تُحرم أصوات جديدة تستحق التقدير. 
هذا ليس مجرد إحباط، بل رسالة واضحة: الجودة والإبداع ليسا المعيار، بل الانتماء داخل الدائرة المغلقة. ومن هنا، يتحول المنبر إلى عزبة صغيرة، يُحتكر فيها النشر والمكافآت، فيما تُهدر فرص جديدة وثقة الجيل القادم من الكتاب.
وبالمقابل، تظهر مجلات مثل الرافد والفجيرة وكنماذج للشفافية والاحترام: نص يُرفض أو يُقبل أو يطلب تعديله أو يوافق عليه ثم لا ينشر نهائياً، لكن الكاتب لا يُترك في الفراغ، ويشعر أن كلمته لها وزن حتى في الرفض.
إن الثقافة ليست مجرد محتوى يُنشر، بل إدارة ووعود واحترام للجهد. 
وعندما تُهدر الكلمة في ممرات الانتظار الطويلة، ويُكرَّس الدعم لنفس الأسماء، تُفقد المجلة قيمتها الحقيقية، ويصاب المشهد الثقافي كله بصمت بارد، يُخنق الإبداع ويقتل الثقة.
لإنقاذ المنبر، هناك خطوات واضحة لا تحتمل التأجيل:
• الإعلان عن معايير النشر والمكافآت بشفافية تامة
• الالتزام بجدول زمني للرد على جميع النصوص
• ضمان تقييم النصوص وفق الجودة، لا الانتماء أو العلاقات
• احترام الكاتب حتى في حالة الرفض، وتحويل الوعود إلى أفعال واضحة
الثقافة لا تعيش في دوائر مغلقة، ولا تزدهر في منابر تمنح الفرصة لنفس الأسماء مرارًا وتكرارًا، بينما تُترك الأصوات الجديدة ضائعة في الصمت. 
ومن لا يحترم الكلمة والكاتب، يفقد أولًا مصداقيته، ثم يفقد الثقة التي صنعت سمعة المنبر منذ البداية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة