على صهوة الجريدة: حين يصير اللعب خلاصًا إنسانيًا”
“على صهوة الجريدة: حين يصير اللعب خلاصًا إنسانيًا”
حسن غريب
بداية تمهيدية :
لا تُقرأ قصة “طرق الجريد” لكرم الصبّاغ بعينٍ باردة أو أدواتٍ جامدة؛ فهي من تلك النصوص التي تستدعي قارئًا يشعر قبل أن يفسّر، ويتأمل قبل أن يُحاكم. إننا أمام حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تمسّ شيئًا عميقًا في داخلنا: ذلك الطفل الذي لم يغادرنا، وذلك الحنين الغامض إلى من منحونا الفرح دون أن ننتبه لثمنه.
الإنسان خلف “المشهد الغريب”
في البدء، قد يبدو الرجل الذي يمتطي “جريدة” ويجوب بها طرقات النجع كائنًا طريفًا، أو حتى مثيرًا للشفقة. لكن الصبّاغ لا يلبث أن يقودنا –بهدوء ودون وعظ– إلى إعادة النظر. هذا الرجل ليس “غريبًا” كما نظن، بل هو، على نحو ما، أكثر إنسانية من الجميع.
هو لا يملك شيئًا تقريبًا: رغيفًا يابسًا، جلبابًا مهلهلًا، وعزلة ثقيلة. ومع ذلك، يمنح الأطفال ما لا يُشترى: الفرح. يركض ليضحكوا، يحمحم ليحلموا، ويتحول –في عيونهم– إلى فارس.
لكن المفارقة المؤلمة: أن هذا الذي يصنع البهجة، لا يجد من يشاركه بها حين تنتهي.
حين ينصرف الأطفال، لا نرى مجرد رجل يترجل عن “جريدة”، بل إنسانًا يسقط فجأة من عالم الحلم إلى قاع الوحدة. وهنا يلمس النص شغاف القلب: كم من أشخاص في حياتنا كانوا مثل هذا الرجل؟ يمنحوننا الضوء، ويعودون وحدهم إلى العتمة.
الأطفال: البراءة التي ترى ولا تُدرك
الأطفال في القصة لا يسخرون بقدر ما يلعبون، ولا يؤذون بقدر ما يجهلون. هم يحبونه بطريقتهم، يركضون خلفه، يهتفون، يضحكون… لكنهم، مثلنا جميعًا، لا يدركون حقيقته إلا حين يغيب.
وحين يغيب، يتبدل كل شيء. فجأة، يتحول اللعب إلى حنين، والصخب إلى فراغ، والضحك إلى سؤال. يقلّدونه، يمتطون الجريد، يطلقون الصهيل… كأنهم يحاولون استعادة ما فقدوه، أو الاعتذار بطريقتهم الطفولية.
غيابه… حين يختلّ العالم
الضربة الإنسانية الأقسى في النص ليست في فقر الرجل أو وحدته، بل في أثر غيابه.
اختفاء القطط، انتشار الفئران، خوف الناس، ارتباكهم… كل ذلك لا يبدو مجرد أحداث، بل انعكاسًا لخلل أعمق: حين يغيب “الإنسان الذي لا نراه”، يختلّ العالم دون أن نفهم لماذا.
وكأن الصبّاغ يهمس لنا:
ليست المجتمعات قائمة فقط على الأقوياء والمرئيين، بل على أولئك الصامتين، الذين يمرّون في حياتنا كأنهم عابرون، بينما هم في الحقيقة أوتادها الخفية.
العودة: ليست انتصارًا… بل كشفًا
حين يعود، لا يعود ليُدهشنا، بل ليكشفنا.
يأتي ومعه القطط، يطرق الأبواب، يوقظ النجع، يطارد الفوضى… لكنه في العمق، يوقظ الضمائر.
المشهد ليس مجرد انتصار على الفئران، بل لحظة اعتراف متأخر بقيمته.
حتى الأطفال، وهم يركضون خلفه، لا يركضون هذه المرة للعب فقط، بل بشيء من الشوق، وربما بشيء من الحب الذي نضج فجأة.
أما تحوّل “الجريدة” إلى حصان حقيقي، فلا يبدو حدثًا عجائبيًا بقدر ما هو لحظة تصديق:
حين نؤمن بالإنسان، يتحول الوهم إلى حقيقة.
لغة تمشي على قدمين
ما يميز كتابة كرم الصبّاغ هنا أنها لا تتباهى بنفسها، بل تمشي على مهل، مثل أهل النجع. اللغة قريبة، دافئة، لا تتكلف، لكنها في الوقت نفسه دقيقة في التقاط التفاصيل الصغيرة: الرمل في اللحية، الصهيل، التصفيق، الغبار…
كلها أشياء نراها، لكننا –في العادة– لا ننتبه إليها.
وهنا تكمن إنسانية السرد: أن يجعلنا نرى ما اعتدنا تجاهله.
خاتمة: ما الذي تبقّى في القلب؟
بعد انتهاء القصة، لا يبقى في الذهن مشهد المطاردة، ولا حتى الحصان، بل ذلك الإحساس الخافت بالذنب…
هل مرّ في حياتنا “رجل الجريدة” ولم ننتبه؟
هل ضحكنا… ثم تركناه يعود وحده؟
“طرق الجريد” ليست قصة عن رجل غريب، بل عنّا نحن.
عن قدرتنا على الحب المؤجل، والاعتراف المتأخر، ورؤية القيمة بعد أن تهددنا الخسارة.
إنها قصة تذكّرنا –بهدوء موجع– أن أكثر الناس عطاءً، هم غالبًا أقلهم طلبًا… وأكثرهم وحدة.

تعليقات
إرسال تعليق