اللغةُ أولًا… حين يكون النقدُ أمانةً قبل أن يكون رأيًا

 اللغةُ أولًا… حين يكون النقدُ أمانةً قبل أن يكون رأيًا



حسن غريب 

ناقد روائي 


ليست اللغة في النقد الأدبي زينةً نعلّقها على أطراف المقال كما تُعلَّق الحواشي على ثوبٍ مكتمل، بل هي نسيجُه كلّه، وسداه ولحمته. 

إنّها الأداة التي يتشكّل بها الوعي، والميزان الذي تُوزن به الأحكام، والمرآة التي يطلّ منها القارئ على النصّ كما يراه الناقد. 

ومن ثمّ فالنقد، قبل أن يكون رأيًا أو موقفًا، هو بيانٌ سليم، ينهض على دقّة العبارة، ونزاهة الاصطلاح، واحترام عقل القارئ وذائقته، فضلًا عن احترام المبدع الذي نكتب عن تجربته ومتجهِه الثقافيّ والأدبيّ.

لقد علّمنا التراث العربي أنّ البلاغة ليست ترفًا، بل مسؤولية. 

ومن يتأمّل كتابًا مثل دلائل الإعجاز لـعبد القاهر الجرجاني يدرك أنّ بناء المعنى لا ينفصل عن نظام اللغة، وأنّ فساد التعبير يُفضي حتمًا إلى اضطراب الفكرة.

 كما أن العودة إلى البيان والتبيين لـالجاحظ تكشف أنّ البيان ليس مهارة لفظية فحسب، بل هو وعيٌ بالعلاقة بين القول ومقتضى الحال، بين الخطاب وسياقه، وبين الكاتب ومسؤوليته الأخلاقية تجاه قارئه.

من هنا، فإنّ كتابًا نقديًّا – أيًّا كان عنوانه أو جزؤه – لا يكون ترفًا ثقافيًّا يُزيّن رفوف المكتبة، بل هو عُدّة يوميّة للناقد. 

يعود إليه كما يعود الصانع إلى أدواته، لا ليكرّر نفسه، بل ليصقلها. 

فالنقد مهنةُ دقّة، وأيّ تهاون لغويّ فيه يُفضي إلى تهاونٍ في الفكرة، وأيّ ارتباكٍ في المصطلح ينعكس ارتباكًا في الرؤية.

 إنّ اللغة ليست وسيطًا محايدًا، بل هي شريكةٌ في صناعة الحكم، ومتى اختلّت، اختلّ معها ميزان القراءة.

إنّ الناقد حين يفتح كتابه، لا ينبغي أن يفتحه بروح الوصيّ، بل بروح الشريك في الفهم. فالمبدع لا يُحاكم بل يُحاور، والنصّ لا يُدان بل يُفكَّك ويُضاء. 

وهذه المهمّة لا تستقيم بلغةٍ متعالية أو متسيّبة؛ إنّها تحتاج إلى لغةٍ رصينة، قادرة على أن تقول بوضوح، وأن تختلف بأدب، وأن تُقيم الحجة دون صخب.

 فاللغة النقدية العادلة هي التي توازن بين حرارة الذائقة وبرودة المنهج، بين الانفعال الجمالي والانضباط المعرفي.

ولعلّ أخطر ما يواجه النقد في زمن السرعة هو الاستسهال: استسهال الأحكام، واستسهال المصطلحات، واستسهال الأخطاء اللغوية التي تُضعف هيبة القول. 

واللغة العربية – بتاريخها الطويل، وصرامتها في قوانينها – لا ترحم التهاون، لكنها في المقابل تكافئ من يخدمها.

 تمنحه قدرةً على الإيحاء، ودقّةً في التفريق، وجمالًا في العرض، فيعلو بذلك مستوى الكتابة، وتصفو الفكرة، وتزداد القيمة المهنية رسوخًا.

إنّ هذه المقدّمة لا تدعو إلى التشدّد الشكلي، ولا إلى إقامة حواجز بين الناقد والقارئ، بل تدعو إلى الوفاء للمهنة.

 فالنقد الذي لا يحترم لغته لا يحترم قارئه، والنقد الذي يفرّط في بيانه يفرّط في رسالته. 

ولأنّ الكلمة أمانة، فإنّ صيانتها ليست خيارًا، بل واجبًا أخلاقيًّا ومعرفيًّا.

فلنفتح دفاترنا كما يفتح المثقّف أبواب التأمّل: لا ليمتحن نفسه فحسب، بل ليصون لغته النقدية، ويجعل منها جسرًا لا حاجزًا، ونورًا لا دخانًا.

 وعندئذٍ فقط، يصبح الكتاب النقديّ شهادةً على زمنه، وإسهامًا حقيقيًّا في ترسيخ الذائقة، وبناء وعيٍ أدبيّ أكثر تمكّنًا ورصانة.

مع التقدير لكلّ قارئٍ وكاتب،

ورجاءٍ دائمٍ بمزيدٍ من التمكّن والصفاء في القول،

فباللغة نحيا، وبها يبقى الأثر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة