أن تكتب لتتذكر أنك ما زلت حياً

 أن تكتب لتتذكر أنك ما زلت حياً



حسن غريب 

ناقد باحث مصري 


الكتابة ليست مجرد تسجيل للأحداث أو سرد للذكريات، بل هي فعل وجودي يؤكد على حياة الكاتب في عمقها الروحي والفكري. 

عبارة "أن تكتب لتتذكر أنك ما زلت حياً" تختصر فلسفة الكتابة بوصفها طقساً لإنعاش الذات وتثبيت أثرها في عالم متحرك، سريع الزوال، يهددنا بالإحساس بالفراغ واللاوجود.

الكتابة، هنا، تصبح شهادة على الوجود، ومرآة تعكس هشاشة الذاكرة وأهمية اللحظة. فكل كلمة تكتبها هي محاولة للتمسك باللحظة، للحظة التي تشعر فيها بأنك، رغم ضجيج الحياة وضغط الوقت، ما زلت تنبض بالحياة، ما زلت قادرًا على الإحساس والتفكير والتفاعل مع العالم.

 إنها فعل مقاومة ضد النسيان، ضد انحسار المعنى في روتين الأيام.

من زاوية فلسفية، ترتبط هذه العبارة بوجود الإنسان في العالم، كما رآها الفلاسفة الوجوديون: الإنسان مدفوع بالبحث عن ذاته، وكل فعل إبداعي يصبح وسيلة للتأكيد على وجوده.

 الكتابة هنا ليست هواية، ولا مجرد مهارة، بل هي ممارسة وجودية: "أنا أكتب، إذن أنا موجود". 

بهذا المعنى، كل صفحة مكتوبة هي إعلان للحياة في مواجهة العدم، وحوار مع الذات للحفاظ على إحساسنا بالكينونة.

وعاطفياً، الكتابة تمنح الكاتب مساحة للتعبير عن ذاته، لتفريغ ما يختلج في صدره، لتسمي الأشياء بما هي عليه، ولتخطي صمت العالم الخارجي.

 في لحظة الكتابة، يصبح القلم أداة للحياة، والكلمات نبضات للقلب. 

الكتابة تمنحنا شعوراً بالتحكم، ولو مؤقتاً، في المشهد الداخلي للفكر والعاطفة، وتذكّرنا بأن الحياة ليست مجرد مرور الوقت، بل تجربة مدركة وواعية.

وبهذا، تصبح الكتابة طقساً يومياً للبقاء، وسلاحاً ضد اللامبالاة والجمود. 

فالكاتب الذي يكتب لتذكر أنه حي، يكتب من أجل نفسه أولاً، ثم من أجل أي قارئ قد يجد في كلماته صدىً لوجوده الخاص.

 إنها رسالة تتجاوز الذات لتصل إلى عالم يشترك فيه كل من شعر يوماً بفقدان حضوره في الزمن، وكل من أراد أن يلمس معنى الحياة في أعماق صمته الخاص.

في النهاية، عبارة "أن تكتب لتتذكر أنك ما زلت حياً" ليست مجرد فكرة شعرية أو مقولة أدبية، بل هي إعلان صامت عن القوة الخفية للكتابة: كتابة تعيد الحياة إلى الحياة، كتابة تجعل من كل لحظة وعي، ومن كل كلمة شهادة على أننا موجودون.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة