لماذا صار يهاجم العلماء والمفكرين ؟

 لماذا صار يهاجم الم


فكرين والعلماء أشد هجومًا من عوام الناس؟

(في ضوء تجربة مصطفى محمود ونجيب محفوظ نموذجًا)


حسن غريب 


حين نتأمل مسيرة بعض الأسماء اللامعة في ثقافتنا العربية، مثل مصطفى محمود ونجيب محفوظ، ندرك أن الهجوم على المفكرين ليس وليد لحظة عابرة، بل هو ظاهرة متجذّرة تتكرر كلما اصطدم الفكر الحر بجدران الواقع الصلب.

لقد تعرّض مصطفى محمود لهجوم عنيف في مراحل مختلفة من حياته الفكرية، خاصة حين انتقل من الشك إلى الإيمان، وكتب نصوصًا تطرح أسئلة جريئة حول الدين والعلم والوجود. البعض لم يحتمل هذا التحول، لا لأنه خطأ بالضرورة، بل لأنه كسر الصورة الثابتة التي أرادوا أن يحبسوه فيها. فالمجتمع، في كثير من الأحيان، لا يرفض الفكرة بقدر ما يرفض "تغيّر صاحبها".

أما نجيب محفوظ، فقد واجه أشكالًا متعددة من الهجوم، وصلت في ذروتها إلى محاولة اغتيال، بسبب رواياته التي قرأها البعض قراءة حرفية أو متعجلة، دون وعي بطبيعتها الرمزية والفنية. إن أعمال محفوظ لم تكن إساءة كما صُوّرت، بل كانت محاولة لقراءة الواقع عبر الفن، لكن الحساسية المفرطة تجاه الرمز، وغياب الثقافة النقدية، حوّلا النص الأدبي إلى "اتهام".

ما يجمع بين هذين النموذجين أن كليهما لم يكن يقدّم إجابات مريحة، بل كان يطرح أسئلة مزعجة. والمجتمع الذي لم يتصالح بعد مع فكرة السؤال، يرى في هذا الطرح تهديدًا، فيلجأ إلى الهجوم كوسيلة دفاع.

ثم إن المفكر الحقيقي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يكشف تناقضاته، ويضع إصبعه على مواضع الألم. وهذا ما لا يُحتمل بسهولة، لأن كثيرين يفضلون الوهم المريح على الحقيقة القلقة. وهنا يتحول المفكر إلى "مرآة مزعجة"، فيُكسر بدل أن يُنظر فيها.

ولا يمكن إغفال أن بعض الهجوم ينبع من سوء الفهم، أو من القراءة المجتزأة، أو من النقل غير الأمين. فكم من فكرة أُدينت لأنها قُطعت من سياقها، وكم من نص حُوكم لأنه لم يُقرأ كاملًا. ومع تسارع وسائل التواصل، صار الحكم أسرع من الفهم، والانفعال أسبق من التأمل.

لكن في العمق، تكشف هذه الظاهرة عن أزمة أعمق: أزمة في علاقتنا بالاختلاف. فبدل أن يكون الاختلاف مدخلًا للحوار، يتحول إلى سبب للعداء. وبدل أن يُقابَل الفكر بالنقد، يُقابَل بالتشويه أو الإقصاء.

ومع ذلك، فإن التاريخ ينصف غالبًا هؤلاء الذين هوجموا في حياتهم. فمصطفى محمود اليوم يُقرأ بوصفه مشروعًا فكريًا متفردًا، ونجيب محفوظ يُدرَّس كأحد أعمدة الأدب العالمي. وكأن الزمن يقول كلمته بهدوء، بعد أن يخفت ضجيج اللحظة.

في النهاية، فإن الهجوم على المفكرين ليس مقياسًا لخطئهم، بل قد يكون دليلًا على أنهم طرقوا مناطق لم يعتدها الوعي الجمعي. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل نتعلم من هذه التجارب فنُحسن الاستماع، أم نكرر الدائرة نفسها مع كل صوت جديد يحاول أن يفكر خارج

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة