كن ربانيا ولا تكن رمضانيا

  كن ربّانيًّا… ولا تكن فحسب رمضانيًّا


حسن غريب 

ليست المشكلة أن نزداد قربًا من الله في رمضان، فذلك مقصد الشهر وروحه، وإنما الإشكال أن ينحسر هذا القرب بانحساره، وأن تتراجع حرارة الإيمان بمجرد إعلان العيد. كأن العلاقة مع السماء مؤقتة، وكأن الطاعة عقدٌ محدود المدة، ينتهي بانتهاء الموسم.

أن تكون ربّانيًا يعني أن تجعل وجهتك ثابتة، لا تتبدل بتبدّل الشهور.

 أن يكون الله هو البوصلة في سلوكك، لا الحماس الجمعي، ولا رهبة العادة.

 الربانية ليست كثافة عاطفية عابرة، بل وعي دائم بأنك مسؤول عن كل قول وفعل، في السر كما في العلن، في رمضان كما في سواه.

في رمضان، تمتلئ المساجد، وتلين القلوب، وتفيض الألسنة بالذكر. لكن الربانية تُقاس بما بعد ذلك: هل يظل القلب رقيقًا حين تخف الأضواء؟

 هل تستمر اليد معطاءة حين تقلّ المبادرات؟

 هل يبقى الضمير يقظًا حين لا يذكّره أحد بفضائل الشهر؟

الرمضانية المؤقتة قد تمنح دفعة روحية، لكنها لا تبني شخصية.

 أما الربانية فتبني إنسانًا متوازنًا، يعرف أن العبادة ليست طقسًا، بل منهج حياة. 

الصدق ليس شعارًا موسميًا، والرحمة ليست حالة طارئة، والإحسان ليس نشاطًا سنويًا.

 إنها قيم تتجذر حين تتحول من استجابة ظرفية إلى التزام مستمر.

الرباني لا يصوم عن الطعام فقط، بل يصوم عن الظلم طوال العام. 

لا يغضّ بصره ثلاثين يومًا ثم يطلقه بعدها، ولا يكفّ لسانه عن الأذى شهرًا ثم يرسله في الغيبة والافتراء. إنه يدرك أن الله الذي يراه في رمضان، يراه في كل حين، وأن الأجر الذي يرجوه في الشهر الكريم، لا ينقطع بسواه.

إن أخطر ما في الرمضانية المؤقتة أنها قد توهم صاحبها بالاكتفاء؛ يظن أنه أدّى ما عليه، فيستريح ضميره عامًا كاملًا.

 أما الرباني فيعيش حالة تجدد دائم، يسائل نفسه، ويحاسبها، ويجاهدها، لأنه يعلم أن الطريق إلى الله ليس موسمًا، بل مسار عمر.

ليس المطلوب أن نظل في وهج العاطفة نفسها، فذلك عسير، لكن المطلوب أن نحافظ على الحد الأدنى من الاستقامة، وأن نجعل من رمضان نقطة انطلاق لا محطة نهاية.

 أن نخرج منه بعادة صلاة لا تنقطع، وبقلب تعوّد على الصدقة، وبلسان ألف الذكر.

فكن ربّانيًا في عطائك، لا رمضانيًا في صدقتك.

وكن ربّانيًا في خلقك، لا رمضانيًا في انفعالك.

وكن ربّانيًا في علاقتك بالله، لا رمضانيًا في طاعتك.

لأن الله ربّ الشهور كلها، ولأن الإيمان إن لم يتحول إلى سلوك دائم، بقي ومضة سرعان ما تنطفئ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة