قالو معك وكنت وحدي
قالوا "معك"… وكنتُ وحدي
حسن غريب
ليست الأزمات مجرد عثرات عابرة في طريق الحياة، بل هي لحظات فاصلة تُعاد فيها كتابة العلاقات، وتُختبر فيها صدقية البشر بعيدًا عن زينة الكلمات.
في لحظات الضيق، لا تعود العبارات كافية، ولا تُجدي المجاملات، لأن الموقف وحده هو اللغة التي لا تقبل التأويل.
في محنتي الأخيرة، زارني بعض الأصدقاء والزملاء، دخلوا غرفتي المتواضعة، رأوا بأعينهم تفاصيل الحياة كما هي، بلا تزييف ولا ادّعاء. رأوا المرض، وضيق الحال، وثقل ما أحمله أنا وأسرتي من أعباء. ومع ذلك، انصرف بعضهم كما جاء… بلا أثر يُذكر، بلا محاولة حقيقية للتخفيف، وكأن الزيارة كانت أداءً لواجب شكلي لا أكثر.
والأدهى من ذلك، أن بعضهم لم يكتفِ بالصمت، بل اختار أن يمنح نفسه دورًا لم يقم به، فقال بكل بساطة: "كنا معك أخي العزيز في ضائقتك".
عبارة تبدو في ظاهرها نبيلة، لكنها في حقيقتها كانت أثقل من الصمت ذاته.
لأن الصمت—رغم قسوته—أصدق من كلمة تُقال بلا رصيد من الفعل.
تساءلت بيني وبين نفسي:
أين كنت؟
في أي لحظة كنت "معي"؟
هل كانت المؤازرة مجرد جملة تُقال؟
أم أن لها معنى يتجسد في موقف— حتى لو كان بسيطًا؟
إن الفرق شاسع بين من لم يستطع أن يساعد، ومن لم يُرِد أن يساعد، ثم ادّعى أنه فعل.
الأول يُعذر، أما الثاني فيُدان، لأنه لم يكتفِ بالتقصير، بل أضاف إليه تزييف الحقيقة.
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار الوجه الآخر للمشهد.
هناك من حضروا بصدق، دعموا بصمت، وقدموا ما استطاعوا دون ضجيج أو انتظار لمقابل.
بعضهم أوصى بعدم ذكر اسمه، وكأن العطاء الحقيقي يخجل من الإعلان عن نفسه. هؤلاء هم الذين يمنحون للأزمات معناها الإنساني، ويجعلونها—رغم قسوتها—أقل وطأة.
في مثل هذه اللحظات، ندرك أن العلاقات لا تُقاس بطول السنين، بل بعمق المواقف. وأن الكلمات، مهما كانت بليغة، تظل جوفاء إن لم يسندها فعل.
كما ندرك أن بعض الناس لا يسقطون من أعيننا فجأة، بل يتساقطون بهدوء، حين تعجز أفعالهم عن مجاراة ما يدّعونه.
لم يعد الغضب هو الشعور الغالب، بل نوع من الإدراك الهادئ:
أن لكل إنسان مكانه الذي يستحقه، وأن إعادة ترتيب القلوب أحيانًا ضرورة، لا قسوة.
أما أولئك الذين اختاروا أن يكونوا "معي" حقًا، فقد تركوا أثرًا لا يُمحى، وأثبتوا أن الخير لا يزال ممكنًا، وأن النبل لا يحتاج إلى إعلان.
يسعون ويبحثون عن ابتغاء مرضاة الله وغفرانه .
وفي النهاية، لا أملك إلا أن أردد ما يلخص الموقف كله، لا ككلمة عابرة، بل كيقين عميق:
حسبي الله ونعم الوكيل.

تعليقات
إرسال تعليق