حين يمرض الجسد… ويسقط القناع
حين يمرض الجسد… ويسقط القناع
بقلم: حسن غريب
لم أختر المرض، ولم أستدعِ الجلطة إلى قدمي ويدي اليمنى، ولا ارتفاع ضغط الدم والسكر ليحاصرا جسدي أعوامًا طويلة.
أكثر من خمس سنوات كنت خلالها قعيدًا وطريح الفراش، أقاوم الألم بالصبر، وأتشبث بإيماني أن العدالة قد تتأخر لكنها لا تموت.
كنت معلمًا خبيرًا في اللغة العربية، وهبت مهنتي جهدي وعمري.
لكن المرض لا يعترف بالألقاب.
وجدت نفسي مفصولًا من عملي بسبب غياب فرضته الجلطة لا الإرادة.
لجأت إلى القانون، وقدمت تقاريري الطبية، حتى صدر قرار بعودتي إلى عملي.
كان ذلك انتصارًا للحق، ودليلًا أن العدالة قد تتعثر لكنها لا تسقط.
غير أن الحياة لم تكتفِ بما مضى.
تعرض بيتي للسرقة والهدم، فعادت الجلطة أشد شراسة، وكأن الألم يأبى أن يغادر. ومع طول المرض وانقطاع الدخل، انقطعت قسرًا عن سداد الاشتراك السنوي لنقابة اتحاد كتاب مصر، لا تقصيرًا بل قهرًا فرضته الظروف الصحية.
وحين تعافيت نسبيًا، سددت المتأخرات والغرامات كاملة رغم ضيق الحال.
لم أطلب إعفاءً، ولم أتنصل من التزام، بل أديت ما عليّ. ثم طلبت معاشي شأني شأن زملائي، فكان الرد رفضًا.
لم يكن الرفض مجرد إجراء، بل وجعًا جديدًا.
كيف يُحرم من سدد ما عليه؟ وكيف يُعامل المرض كأنه مخالفة؟
أليست اللوائح وُجدت لتنظيم الحقوق لا لتعطيلها؟
تقدمت بطلب مساعدة من صندوق الخير، فقوبل طلبي باشتراط الأصول الرسمية للتقارير الطبية.
ومعظم أوراقي صور من الأصل؛ فسنوات المرض والانتقال بين المستشفيات لا تحفظ الملفات كما تحفظ الألم.
توقفت المساعدة عند حدود الورق.
لكن ما كان أشد إيلامًا من المرض والرفض، تلك الدهشة التي تكشفها المحنة.
من الطريف العجيب أن تكتشف أن أقرب الناس إليك، من بني جلدتك أو من ظننته صديق العمر، لم يفكر حتى في سؤال عابر عبر الهاتف. لا كلمة، لا نبض اهتمام، لا أثر حضور.
وفي المقابل، يسأل عنك من لم يخطر ببالك، ويتأثر من لم تتوقع، ويدعمك من لم تنتظر منه شيئًا.
يقف إلى جوارك من كان عابرًا في حياتك، فيتحول إلى سند حقيقي.
تعلمت أن القرب لا يُقاس بالسنوات، بل بالمواقف.
وأن الأخوّة ليست دمًا فقط، بل وفاء ساعة الشدة.
وأن بعض الوجوه تسقط أقنعتها عند أول اختبار، بينما تلمع وجوه أخرى في العتمة كأنها خُلقت لتكون عزاءً وسندًا.
لقد وثّقت حال الغرفة التي أعيش فيها أنا وأسرتي؛ سقفٌ يتساقط منه المطر، ومكانٌ لا يقي خوفًا ولا بردًا.
لم يكن ذلك استدرارًا للعاطفة، بل تسجيلًا لحقيقة.
ومع كل هذا، يبقى في القلب امتنان عميق.
شكرًا لكل من سأل، ولكل من مدّ يد العون، ولكل من أعطى في صمت وطلب ألا يُذكر اسمه ابتغاء مرضاة الله. هؤلاء هم المعنى الحقيقي للإنسانية.
أنا لا أكتب خصومة، بل أكتب شهادة.
شهادة على أن المرض يكشف، وأن المحنة تفرز، وأن العدالة ليست نصًا جامدًا بل روحًا يجب أن تبقى حيّة.
الحق قد يتأخر…
لكن الكرامة لا تموت.

تعليقات
إرسال تعليق